للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[[العلماء ورثة الأنبياء مهمتهم هداية الناس لا استعبادهم]]

قال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)} [سورة الأنعام: ٥٢]

١٣. قال الشيخ محمد رشيد -رحمه الله-: "والآية تدل على نفي الرياسة الدينية المعهودة في الملل الأخرى، وهي سيطرة رؤساء الدين على أهل دينهم في عقائدهم وعباداتهم ومحاسبتهم عليها، وعقاب من يرون عقابه منهم حتى بالطرد من الدين والحرمان من حقوقه، ويجب في بعض تلك الملل أن يعترف كل مكلف من ذكر وأنثى للرئيس الديني بأعماله النفسية والبدنية، وللرئيس أن يغفر له ما يعترف به من المعاصي، ويعتقدون أن مغفرة الله تعالى تتبع مغفرته" (١).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب توحيد الألوهية، في مسألة العلماء ورثة الأنبياء مهمتهم هداية الناس لا استعبادهم، بدلالة التضمن.

وجه الاستنباط: امتازت الشريعة الإسلامية بنفي العصمة عن العلماء من أهل الدين، وأن طاعتهم تكون في المعروف، وليس لهم الحق في معرفة ذنوب أحد من الناس، ولا يصرحون لأحد بالغفران، وكلهم خاضعون لله لا فرق بينهم وبين العامة، بخلاف الأمم السابقة فقد كان لأهل الدين عندهم منزلة خاصة، استغلها بعضهم في بث سلطته الدينية على أهل هذه الملة، وعلى شعوبهم، فلا يكون لهم تصرف إلا بعد الرجوع لهؤلاء الرؤساء والنظر فيما يحكمون له، وفي هذا من تحقيق التوحيد ما هو ظاهر، فتتعلق القلوب بالله عز وجل، وتخضع له وتباشره في حبها وخوفها ورجائها، ومن دون حاجة إلى واسطة أو شفيع.

وقد انفرد الشيخ بهذا الاستنباط، فلم يذكره أحد من المفسرين فيما وقفت عليه، إلا عبارة للإمام الألوسي قال فيها: "وَلا تَطْرُدِ أي لأجل التربية والتهذيب والامتحان الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الذي أوصلهم حيث أوصلهم من معارج الكمال بِالْغَداةِ أي وقت تجلي الجمال وَالْعَشِيِّ أي وقت تجلي العظمة والجلال يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يريدونه سبحانه بذاته وصفاته ويطلبون تجليه عز وجل لقلوبهم ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ أي حساب أعمالهم القلبية من شيء لأن الله تعالى قد تولى حفظ قلوبهم وأمطر عليها سحائب عنايته فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج" (٢).


(١) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٧/ ٣٦٩).
(٢) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (٤/ ١٥٧).

<<  <   >  >>