للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا أصوليا، في باب طرق الاستدلال والترجيح، في مسألة في أي سنة فرض الحج، بدلالة تاريخ نزول الآيات.

وجه الاستنباط: الحج فرض بعد نزول آية آل عمران، بعد غزوة أحد، وأداؤه كان سنة تسع من الهجرة، بعد القدرة عليه بعد فتح مكة، وقد ذكر الشيخ بعد ترجيحه واختياره، قول جمهور العلماء أن الحج فرض سنة تسع من الهجرة.

وقد أجاب ابن القيم على استنباط الشيخ واختياره، فقال: "لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر، وأما قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فريضة الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء، فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم لما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}، فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية، ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كان في سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج وأردفه بعلي رضي الله عنه، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم" (١).

ووافقه ابن عاشور حيث قال: "وهذا يقتضي أن أصحاب هذا التفسير يرون الآية قد نزلت بعد فرض الحج في الإسلام وقبل أن يمنع المشركون منه، أي نزلت في سنة تسع، والأظهر خلافه كما تقدم في أول السورة، وفرع على هذا الاستدلال أنهم لم تبق لهم حجة ينازعون بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن التوحيد بعد شهادة الملل السابقة كلها، فالنهي ظاهره موجه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لأن ما أعطيه من الحجج كاف في قطع منازعة معارضيه" (٢).


(١) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٩٦).
(٢) التحرير والتنوير (١٧/ ٣٢٨).

<<  <   >  >>