للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا عقديا، في باب العبودية، في مسألة حقيقة التقوى بحفظ حقوق الجسد والروح معا، بدلالة التضمن.

وجه الاستنباط: الأمر بالتقوى أعم دلالة من النهي عن الإسراف، فالتقوى مطلب ومقصد شرعي من أجله خلق الله الخلق، ومنه النهي عن الإسراف تحقيقا للتقوى، وبذلك يتحقق الجمع بين حقوق الروح وحقوق الجسد، فلا يعتقد معتقد أن التقوى تكون في تضييع حقوق الجسد، أو المبالغة في حقوق الروح بما لم يشرعه الله.

ومن خلال استعراض أقوال المفسرين، لم أجد من ذكر المعنى الذي أشار إليه الشيخ رحمه الله.

قال الرازي: "أما قوله واتقوا الله فهو تأكيد للتوصية بما أمر به، زاده توكيدا بقوله تعالى: أنتم به مؤمنون لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه" (١)، وكذا قال النسفي، وأبو حيان، وأبو السعود (٢).

وقال ابن عاشور: "وقوله واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون جاء بالموصول للإيماء إلى علة الأمر بالتقوى، أي لأن شأن الإيمان أن يقتضي التقوى، فلما آمنتم بالله واهتديتم إلى الإيمان فكملوه بالتقوى" (٣).

[[التمييز بين الخبيث والطيب قاعدة قامت عليها قضايا شرعية كلية]]

قال تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)} [سورة المائدة: ١٠٠]

١٩. قال الشيخ محمد رشيد -رحمه الله-: "فهذه الآية قاعدة في التشريع وبرهان للقياس الصحيح وأصل للأدب والتهذيب" (٤) (٥).

[الدراسة]

استنبط الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- استنباطا أصوليا، في باب القواعد الفقهية، في مسألة التمييز بين الخبيث والطيب قاعدة قامت عليها قضايا شرعية كلية، بدلالة التضمن.

وجه الاستنباط: دلت الآية على قاعدة تشريعية، وهي التفاوت بين الخبيث والطيب وكونهما لا يستويان في الحكم كما أنهما لا يستويان في أنفسهما وفيما يترتب عليهما، فهي أصل من أصول التحليل والتحريم في الطعام وغيره (٦)، كما دلت على إثبات القياس، ودلت كذلك على أصول أدب وتهذيب النفوس، فكانت الآية مقياسا ومعيارا شرعيا على أمور وقضايا كلية في الشريعة.


(١) مفاتيح الغيب (١٢/ ٤١٨).
(٢) مدارك التنزيل وحقائق التأويل (١/ ٤٧١)، البحر المحيط في التفسير (٤/ ٣٥٠)، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (٣/ ٧٤).
(٣) التحرير والتنوير (٧/ ١٨).
(٤) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٧/ ١٠٥).
(٥) هذه الجملة موجودة في نسخة تفسير المنار، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، والتي نشرت عام ٩٩٠ م.
(٦) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٧/ ٢٢٩).

<<  <   >  >>