للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال البيضاوي: "ولا يمتنع أحد من الكتاب. أن يكتب كما علمه الله مثل ما علمه الله من كتبة الوثائق، أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله: وأحسن كما أحسن الله إليك. فليكتب تلك الكتابة المعلمة. أمر بها بعد النهي عن الإباء عنها تأكيدا، ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر فيكون النهي عن الامتناع منها مطلقة ثم الأمر بها مقيدة" (١).

قال ابن عاشور: " {وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} نهي لمن تطلب منه الكتابة بين المتداينين عن الامتناع منها إذا دعي إليها، فهذا حكم آخر وليس تأكيداً لقوله: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}، لما علمت آنفاً من كون ذلك حكماً موجهاً للمتداينين، وهذا النهي قد اختلف في مقتضاه فقيل نهي تحريم، فالذي يدعى لأن يكتب بين المتداينين يحرم عليه الامتناع، وعليه فالإجابة للكتابة فرض عين، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه" (٢).

قال الطوفي (٣): "أما النهي عن الشيء؛ فإنما يستلزم الأمر بضد واحد من أضداده، إذا كان له أضداد، لاستحالة ترك المنهي عنه، بدون التلبس بما ينافيه، ليشتغل به عن فعل المنهي عنه، وذلك التلبس ضروري، يندفع بفعل ضد واحد، وليس المقصود إيجاد بقية الأضداد، كما في الأمر؛ فحصل من هذا أن المأمور به، إن كان له ضد أو أضداد، تعين النهي عن الجميع، والمنهي عنه إن كان له ضد واحد، تعين الأمر به، وإن كان له أضداد؛ فالمأمور به منها واحد لا بعينه، ضرورة توقف ترك المنهي على فعل الضد، المعين أو المبهم" (٤).

وقال الشيخ ابن عثيمين في تفسيره: "أنها من التوكيد لأن النهي عن إباء الكتابة يستلزم الأمر بالكتابة فهي توكيد معنوي؛ وقيل: بل هي تأسيس تفيد الأمر بالمبادرة إلى الكتابة، أو هي تأسيس توطئة لما بعدها؛ والقاعدة: أنه إذا احتمل أن يكون الكلام توكيداً، أو تأسيساً، حمل على التأسيس؛ لأنه فيه زيادة معنى؛ وبناءً على هذه القاعدة يكون القول بأنها تأسيس أرجح". وقال إن من فوائد الآية: " تحريم امتناع الكاتب أن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله}؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى {فليكتب} -هذا ظاهر الآية-، ويحتمل أن يقال: إنْ توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب، كما قلنا بوجوب تحمل الشهادة إذا توقف ثبوت الحق عليها" (٥).


(١) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (١/ ١٦٤).
(٢) التحرير والتنوير (٢/ ٥٦٧).
(٣) سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم نجم الدين الطوفي الحنبلي، كان فقيها شاعرا أديبا، فاضلا قيما بالنحو واللغة والتاريخ، مشاركا في الأصول، له من التصانيف: مختصر الروضة في الأصول، شرحها، مختصر الترمذي، شرح المقامات، شرح الأربعين النووية، مات سنة ٧١٠ هـ، بغية الوعاة (١/ ٥٩٩).
(٤) شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٨٢)
(٥) تفسير القرآن للعثيمين (٥/ ٣٢٤).

<<  <   >  >>