للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي أَيَّامِ الْمُحَارَبَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ لِلْوِلَايَةِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى وَاحِدٌ مِنْهُمْ خَارِجَ الْعَسْكَرِ، فَإِنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ.

[زِنَا رَجُلٍ حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ بِذِمِّيَّةٍ]

(قَوْلُهُ: وَبِزِنَا حَرْبِيٍّ بِذِمِّيَّةٍ فِي حَقِّهِ) أَيْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِزِنَا رَجُلٍ حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ بِذِمِّيَّةٍ فِي حَقِّ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ آخِرًا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مَنْ الْتَزَمَ أَحْكَامَنَا مُدَّةَ مَقَامِهِ فِي دَارِنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ كَمَا أَنَّ الذِّمِّيَّ الْتَزَمَهَا مُدَّةَ عُمْرِهِ وَلِهَذَا يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ وَيُقْتَلُ قِصَاصًا بِخِلَافِ حَدِّ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ وَلَهُمَا أَنَّهُ مَا دَخَلَ لِلْقَرَارِ بَلْ لِحَاجَتِهِ كَالتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا فَلَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَلِهَذَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ وَلَا الذِّمِّيُّ بِهِ، فَإِنَّمَا يَلْتَزِمُ مِنْ الْحُكْمِ مَا يَرْجِعُ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ حُقُوقُ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَمِعَ فِي الْإِنْصَافِ يَلْتَزِمُ الِانْتِصَافَ، وَالْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِهِمْ أَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَمَحْضُ حَقِّ الشَّرْعِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.

وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تُحَدُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ فَامْتِنَاعُ الْحَدِّ فِي حَقِّ الْأَصْلِ يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ فِي حَقِّ التَّبَعِ كَالْبَالِغَةِ إذَا مَكَّنَتْ الصَّبِيَّ، وَالْمَجْنُونَ قُلْنَا: إنَّ فِعْلَ الْمُسْتَأْمَنِ مِنْ زِنًا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْحُرُمَاتِ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالشَّرَائِعِ عَلَى أَصْلِنَا، وَالتَّمْكِينُ مِنْ فِعْلٍ هُوَ زِنًا مُوجِبٌ لِلْحَدِّ عَلَيْهَا وَقَيَّدَ بِالْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَالْأَصْلُ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحُدُودَ كُلَّهَا تُقَامُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ، وَالْمُسْتَأْمَنَةِ إلَّا حَدَّ الشُّرْبِ كَمَا تُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَالذِّمِّيَّةِ فَسَوَّى بَيْنَ الذِّمِّيِّ، وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ، وَالْمُسْتَأْمَنَةِ شَيْءٌ مِنْ الْحُدُودِ إلَّا حَدُّ الْقَذْفِ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ فِعْلُ الرَّجُلِ أَصْلٌ، وَالْمَرْأَةُ تَبَعٌ فَالِامْتِنَاعُ فِي الْأَصْلِ امْتِنَاعٌ فِي التَّبَعِ فَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فِي حَدِّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَوَاجِبٌ اتِّفَاقًا وَحَدُّ الشُّرْبِ غَيْرُ وَاجِبٍ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِالذِّمِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَنَى مُسْتَأْمَنٌ بِمُسْتَأْمَنَةٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزَّانِيَيْنِ إمَّا مُسْلِمَانِ أَوْ ذِمِّيَّانِ أَوْ مُسْتَأْمَنَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ، وَالْآخَرُ ذِمِّيٌّ وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ، وَالْآخَرُ مُسْتَأْمَنٌ وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا ذِمِّيٌّ، وَالْآخَرُ مُسْتَأْمَنٌ وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ فَهِيَ تِسْعُ صُوَرٍ، وَالْحَدُّ وَاجِبٌ فِي الْكُلِّ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا فِي الْمُسْتَأْمَنِينَ وَإِلَّا فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْتَأْمَنًا أَيًّا كَانَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا كَمَا لَا يَخْفَى.

[زَنَى صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ بِمُكَلَّفَةٍ]

(قَوْلُهُ: وَبِزِنَا صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ بِمُكَلَّفَةٍ بِخِلَافِ عَكْسِهِ) أَيْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ إذَا زَنَى صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ بِمُكَلَّفَةٍ وَيَجِبُ الْحَدُّ إذَا زَنَى بَالِغٌ بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ وَهِيَ مَحَلُّ الْفِعْلِ وَلِهَذَا يُسَمَّى هُوَ وَاطِئًا وَزَانِيًا، وَالْمَرْأَةُ مَوْطُوءَةً وَمَزْنِيًّا بِهَا إلَّا أَنَّهَا سُمِّيَتْ زَانِيَةً مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلْفِعْلِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ كَالرَّاضِيَةِ بِمَعْنَى الْمَرْضِيَّةِ أَوْ لِكَوْنِهَا مُسَبِّبَةً بِالتَّمْكِينِ فَتَعَلَّقَ الْحَدُّ فِي حَقِّهَا بِالتَّمْكِينِ مِنْ قَبِيحِ الزِّنَا وَهُوَ فِعْلُ مَنْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْكَفِّ عَنْهُ مُؤْثَمٌ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُنَاطُ بِهِ الْحَدُّ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كُلَّمَا انْتَفَى الْحَدُّ عَنْ الرَّجُلِ انْتَفَى عَنْ الْمَرْأَةِ وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِزِنَا الْمُكْرَهِ بِالْمُطَاوِعَةِ، وَالْمُسْتَأْمَنِ بِالذِّمِّيَّةِ، وَالْمُسْلِمَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُجْعَلَ قَاعِدَةً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَعِبَارَاتُ أَصْحَابِنَا أَنَّ فِعْلَهَا مَعَ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ لَيْسَ بِزِنًا يُشِيرُ إلَى أَنَّ إحْصَانَهَا لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ كَمَا لَا يَسْقُطُ إحْصَانُ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَالْإِفَاقَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا حُكْمَ الْمَهْرِ.

(قَوْلُهُ: وَبِالزِّنَا بِمُسْتَأْجَرَةٍ) أَيْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْءِ مَنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْنِيَ بِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يَجِبُ الْحَدُّ لِعَدَمِ شُبْهَةِ الْمِلْكِ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ وَلَهُ أَنَّ اللَّهَ

ــ

[منحة الخالق]

ابْنُ الْوَلِيدِ الْعَاهَةُ هِيَ التَّلْوِيثُ بِالْأَذَى وَإِذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ الِالْتِذَاذِ اهـ. كَلَامُهُ كَذَا فِي حَوَاشِي الْمِنَحِ لِلرَّمْلِيِّ.

[الْحَدُّ بِوَطْءِ بَهِيمَةٍ]

(قَوْلُهُ: تَسْمِيَةً لِلْفِعْلِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَالصَّوَابُ مَا فِي الْفَتْحِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ: أَوْ لِكَوْنِهَا مُسَبِّبَةً بِالتَّمْكِينِ) عَطَفَهُ بِأَوْ وَقَدْ جَعَلَهُ فِي الْفَتْحِ بَيَانًا لِعِلَاقَةِ الْمَجَازِ وَعِبَارَتُهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْمَجَازَ لِكَوْنِهَا مُسَبِّبَةً لِزِنَا الزَّانِي بِالتَّمْكِينِ فَتَعَلَّقَ الْحَدُّ حِينَئِذٍ فِي حَقِّهَا بِالتَّمْكِينِ مِنْ فِعْلٍ هُوَ زِنًا وَالزِّنَا فِعْلُ مَنْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَثِمَ بِهِ وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يُنَاطُ بِهِ الْحَدُّ. اهـ.

وَبِهَذِهِ الْعِبَارَةِ يَتَّضِحُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ وَفِي الْفَتْحِ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ كَوْنُ الزِّنَا فِي اللُّغَةِ هُوَ الْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ مِمَّنْ هُوَ مُخَاطَبٌ مَمْنُوعٌ بَلْ إدْخَالُ الرَّجُلِ قَدْرَ حَشَفَتِهِ قُبُلَ مُشْتَهَاةٍ حَالًا أَوْ مَاضِيًا بِلَا مِلْكٍ أَوْ شُبْهَةٍ وَكَوْنُهُ بَالِغًا عَاقِلًا لِاعْتِبَارِهِ مُوجِبًا لِلْحَدِّ شَرْعًا فَقَدْ مَكَّنَتْ مِنْ فِعْلٍ هُوَ زِنًا لُغَةً، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَى فَاعِلِهِ حَدٌّ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يُوجِبُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ تَمْكِينِهَا صَبِيًّا فَلَا تُحَدُّ وَمَجْنُونًا فَتُحَدُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ وَطِئَ الرَّجُلُ يَخُصُّ الْبَالِغَ لَكِنْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ وَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ فِعْلَ الْمَجْنُونِ زِنًا وَلَوْ احْتَمَلَ ذَلِكَ فَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ احْتِيَاطٍ فِي الدَّرْءِ فَلَا تُحَدُّ بِهِ. اهـ. .

<<  <  ج: ص:  >  >>