للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

إذْنٍ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا، وَلَا يَتَأَخَّرُ تَحْلِيلُهُ إيَّاهَا إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ، وَلَوْ أَذِنَ لِامْرَأَتِهِ فِي حَجِّ النَّفْلِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ لِمِلْكِهَا مَنَافِعَهَا، وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ بِخِلَافِ الْأَمَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَته الْمُحْرِمَةَ، وَلَا يَعْلَمُ بِإِحْرَامِهَا لَمْ يَكُنْ تَحْلِيلًا، وَفَسَدَ حَجُّهَا، وَإِنْ عَلِمَهُ كَانَ تَحْلِيلًا، وَلَوْ حَلَّلَهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فَأَذِنَ لَهَا فَأَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ، وَلَوْ بَعْدَمَا جَامَعَهَا مِنْ عَامِهَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا عُمْرَةٌ، وَلَا نِيَّةُ الْقَضَاءِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ كَانَ عَلَيْهَا عُمْرَةٌ مَعَ الْحَجِّ، وَلَوْ حَلَّلَهَا فَأَحْرَمَتْ فَحَلَّلَهَا فَأَحْرَمَتْ هَكَذَا مِرَارًا ثُمَّ حَجَّتْ مِنْ عَامِهَا أَجْزَأَهَا عَنْ كُلِّ التَّحَلُّلَاتِ بِتِلْكَ الْحَجَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَوْ لَمْ تَحُجَّ إلَّا مِنْ قَابِلٍ كَانَ عَلَيْهَا لِكُلِّ تَحْلِيلٍ عُمْرَةٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

(كِتَابُ النِّكَاحِ) .

ذَكَرَهُ بَعْدَ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهَا حَتَّى كَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ، وَقُدِّمَ عَلَى الْجِهَادِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمْرُ الْمُنَاسَبَةِ سَهْلٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الصِّحَاحِ فَإِنَّهُ قَالَ: النِّكَاحُ الْوَطْءُ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَقْدَ تَقُولُ نَكَحْتهَا وَنَكَحَتْ هِيَ أَيْ تَزَوَّجْت، وَهِيَ نَاكِحٌ فِي بَنِي فُلَانٍ أَيْ ذَاتُ زَوْجٍ وَالْمُرَادُ بِالْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ، وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ وَنَسَبَهُ الْأُصُولِيُّونَ إلَى الشَّافِعِيِّ فِي بَحْثِ مَتَى أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ سَقَطَ الْمَجَازُ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا صَرَّحُوا بِهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْرِبِ وَذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ ثَمَرَةَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ تَظْهَرُ فِي حُرْمَةِ مَوْطُوءَةِ الْأَبِ مِنْ الزِّنَا أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: ٢٢] فَلَمَّا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْعَقْدِ عِنْدَهُ لَمْ تَحْرُمْ مَوْطُوءَتُهُ مِنْ الزِّنَا، وَلَمَّا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْوَطْءِ عِنْدَنَا الشَّامِلِ لِلْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ حَرُمَتْ عِنْدَنَا وَحَرُمَتْ مَعْقُودَةُ الْأَبِ بِغَيْرِ وَطْءٍ بِالْإِجْمَاعِ.

وَتَفَرَّعَ عَلَى أَصْلِنَا مَا لَوْ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ إنْ نَكَحْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ لِلْوَطْءِ فَلَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا مَا لَوْ قَالَ: لِأَجْنَبِيَّةٍ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لِلْعَقْدِ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ شَرْعًا فَكَانَتْ حَقِيقَةً مَهْجُورَةً كَمَا فِي الْكَشْفِ وَلِذَا لَوْ قَالَ: ذَلِكَ لِمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا بِأَنْ قَالَ: إنْ نَكَحْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ انْصَرَفَ إلَى النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الضَّمِّ صَرَّحَ بِهِ مَشَايِخُنَا أَيْضًا لَكِنْ قَالَ: فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مِنْ أَفْرَادِ الضَّمِّ وَالْمَوْضُوعُ لِلْأَعَمِّ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ كَإِنْسَانٍ فِي زَيْدٍ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ فَإِنَّ الْوَطْءَ مُغَايِرٌ لِلضَّمِّ وَلِذَا قَالَ: فِي الْمُغْرِبِ، وَقَوْلُهُمْ النِّكَاحُ الضَّمُّ مَجَازٌ كَإِطْلَاقِهِ عَلَى الْعَقْدِ إلَّا أَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الضَّمِّ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْعَقْدِ بِالْعَكْسِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مُغَايَرَةِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ صَاحِبَ الْمُحِيطِ ذَكَرَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الضَّمِّ الشَّامِلِ لِلْوَطْءِ وَالْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ ضَمِّ الْإِيجَابِ إلَى الْقَبُولِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ أَيْضًا، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ مَجَازٌ فِيهِ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى مَا فِي الْمُغْرِبِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَرَجَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَالْمُشْتَرَكُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَوْضُوعِ الْأَصْلِيِّ دُونَ الْمَجَازِ. اهـ.

وَهُوَ غَفْلَةٌ عَمَّا فِي الْأُصُولِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ إذَا دَارَ لَفْظٌ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فَالْمَجَازُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، وَأَغْلَبُ وَالِاشْتِرَاكُ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ وَيَحْتَاجُ إلَى قَرِينَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ، وَقَالَ: فِي الْبَدَائِعِ إنَّهُ الْحَقُّ وَالْمُتَحَقِّقُ الِاسْتِعْمَالُ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي تَعْيِينِ

ــ

[منحة الخالق]

[كِتَابُ النِّكَاحِ]

(قَوْلُهُ: حَتَّى كَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلَ إلَخْ) أَيْ الِاشْتِغَالُ بِالنِّكَاحِ، وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ، وَإِعْفَافِ الْحَرَامِ عَنْ نَفْسِهِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَهُ فِي النَّهْرِ وَسَيَأْتِي الِاسْتِدْلَال عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ بِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ وَحَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَرْدُودٌ) قَالَ: فِي النَّهْرِ قَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ الْوَطْءَ نَفْسَهُ ضَمٌّ، وَقَدْ جَعَلَ فِي الْمُحِيطِ الضَّمَّ أَعَمَّ مِنْ ضَمِّ الْجِسْمِ إلَى الْجِسْمِ وَالْقَوْلِ إلَى الْقَوْلِ فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا أَيْضًا غَيْرَ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ لَفْظِ الضَّمِّ تَعَلُّقُهُ بِالْأَجْسَامِ لَا الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ يَتَلَاشَى الْأَوَّلُ مِنْهَا قَبْلَ وُجُودِ الثَّانِي فَلَا يُصَادِفُ الثَّانِي مِنْهَا مَا يَنْضَمُّ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ يُرَجِّحُ مَا فِي الْمُغْرِبِ، وَأَنَّ إطْلَاقَهُ يَعُمُّ الْمَعْنَوِيَّ أَيْضًا. اهـ.

أَيْ إطْلَاقُ قَوْلِهِمْ الْمَجَازُ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ يَعُمُّ الْمُشْتَرَكَ الْمَعْنَوِيَّ.

(قَوْلُهُ: مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ) أَيْ إطْلَاقُ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ عَلَى الضَّمِّ مَجَازٌ عِلَاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ والمسببية فَإِنَّ الْوَطْءَ سَبَبٌ لِلضَّمِّ فَصَحَّ إطْلَاقُ النِّكَاحِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَنْهُ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْعَقْدِ مَجَازٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْوَطْءِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ) أَيْ الْقَوْلِ بِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ يَكُونُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ الْأَوَّلَ) أَيْ إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنَيَيْهِ، وَهِيَ الْأَصْلُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا

<<  <  ج: ص:  >  >>