للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِإِحْرَازِ نَفْسِهِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ فَبَقِيَ الْكُلُّ غَنِيمَةً وَعَمَّمَ الْمُودَعَ لِعَدَمِ الْفَرْقِ فَإِنْ قُلْت قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» يُخَالِفُهُ قُلْت هَذَا بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ يَعْنِي الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ بِالْعُرْفِ لِأَنَّ مِنْ دَأْبِ الشَّرْعِ بِنَاءَ الْحُكْمِ عَلَى الْغَلَبَةِ كَذَا فِي الْبِنَايَةِ.

(قَوْلُهُ وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ فَجَاءَنَا فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَوَلَدُهُ الصَّغِيرُ حُرٌّ مُسْلِمٌ وَمَا أَوَدَعُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَهُوَ لَهُ وَغَيْرُهُ فَيْءٌ) بَيَانٌ لِحُكْمٍ مَتْرُوكٍ الْحَرْبِيُّ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَاءَ إلَيْنَا مُسْلِمًا وَتَرَكَ أَمْوَالَهُ وَأَوْلَادَهُ ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ أَمَّا الْوَلَدُ الصَّغِيرُ فَهُوَ تَبَعٌ لِأَبِيهِ حِينَ أَسْلَمَ إذْ الدَّارُ وَاحِدَةٌ فَكَانَ حُرًّا مُلِمًّا وَمَا كَانَ مِنْ وَدِيعَةٍ لَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَهُوَ لَهُ لِأَنَّهُ فِي يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ وَيَدُهُ كَيَدِهِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَيْءٌ فَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ فَلَمَّا قُلْنَا وَأَمَّا الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِ الْحَرْبِيِّ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَعْصُومًا لِأَنَّ يَدَ الْحَرْبِيِّ لَيْسَتْ يَدًا مُحْتَرَمَةً وَشَمِلَ غَيْرُهُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ فَيَكُونُ فَيْئًا لِعَدَمِ النِّيَابَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.

[قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً أَوْ حَرْبِيًّا جَاءَنَا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ]

(قَوْلُهُ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً الْأُولَى لَهُ أَوْ حَرْبِيًّا جَاءَنَا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِلْإِمَامِ) لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً خَطَأً فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ النُّفُوسِ الْمَعْصُومَةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِلْإِمَامِ أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لَهُ لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ لَا أَنَّهُ يَمْلِكُهُ الْإِمَامُ بَلْ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا وَإِلَّا فَحُكْمُ الْقَتْلِ الْخَطَأِ مَعْلُومٌ وَلِذَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْكَفَّارَةِ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ فَإِنَّهُ لَا وَلِيّ لَهُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَشَمِلَتْ الثَّانِيَةَ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِنَا وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ فَإِنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ (قَوْلُهُ وَفِي الْعَمْدِ الْقَتْلُ أَوْ الدِّيَةُ لَا الْعَفْوُ) أَيْ لَوْ قَتَلَ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ عَمْدًا خُيِّرَ الْإِمَامُ إنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ لِبَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ النَّفْسَ مَعْصُومَةٌ وَالْقَتْلُ عَمْدٌ وَالْوَلِيُّ مَعْلُومٌ وَهُوَ السُّلْطَانُ لِأَنَّهُ وَلِيُّ مِنْ لَا وَلِيَّ لَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَأَخْذُهُ الدِّيَةَ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ بِرِضَا الْقَاتِلِ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ هُوَ الْقَوَدُ عَيْنًا وَهَذَا لِأَنَّ الدِّيَةَ وَإِنْ كَانَتْ أَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَتْلِهِ لَكِنْ قَدْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلِهِ مَنْفَعَةً أُخْرَى هُوَ أَنْ يَنْزَجِرَ أَمْثَالُهُ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ الْعَفْوُ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْعَامَّةِ وَوِلَايَتُهُ نَظَرِيَّةٌ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إسْقَاطُ حَقِّهِمْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَشَمِلَ كَلَامُهُ اللَّقِيطَ فَإِنْ قَتَلَ خَطَأً فَالدِّيَةُ لِلْإِمَامِ قَتَلَهُ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ وَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا خُيِّرَ كَمَا فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَ لَهُ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْوَارِثِ غَالِبًا أَوْ هُوَ مُحْتَمِلٌ فَكَانَ فِيهِ شُبْهَةٌ وَهُوَ يَسْقُطُ بِهَا وَلَهُمَا أَنَّ الْمَجْهُولَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ لَيْسَ بِوَلِيٍّ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَصَارَ كَالْعَدَمِ فَتَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلَى السُّلْطَانِ كَمَا فِي الْإِرْثِ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مَعْلُومٌ فَإِرْثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ وَكَذَا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ظَاهِرًا إذَا أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهُ يُعْطِي كُلَّ مَالِهِ وَإِنْ احْتَمَلَ مَجِيءَ وَارِثٍ لَكِنْ بَعْدَ التَّأَنِّي كَمَا لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ) .

بَيَانٌ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ بَعْدَ بَيَانِ مَا يَصِيرُ بِهِ ذِمِّيًّا وَذِكْرُ الْعُشْرِ تَتْمِيمٌ لِلْوَظَائِفِ الْمَالِيَّةِ وَقَدَّمَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعُشْرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَاحِدُ الْعَشَرَةِ وَالْخَرَاجُ اسْمٌ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ غَسْلَةِ الْأَرْضِ أَوْ الْغُلَامِ ثُمَّ سُمِّيَ مَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ خَرَاجًا يُقَالُ فُلَانٌ أَدَّى خَرَاجَ أَرْضِهِ (قَوْلُهُ أَرْضُ الْعَرَبِ وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ أَوْ فُتِحَ عَنْوَةً وَقَسَمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عُشْرِيَّةً) أَمَّا أَرْضُ الْعَرَبِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ وَتَعَقَّبَهُ فِي الْبِنَايَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْعَدَمَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْهُمْ الْخَرَاجَ لَنُقِلَ وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ عَلَى عَدَمِهِ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ فَلَا يَثْبُتُ فِي أَرَاضِيهِمْ كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي رِقَابِهِمْ

ــ

[منحة الخالق]

[جَاءَنَا حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَوَلَدٌ وَمَالٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَأَسْلَمَ]

(قَوْلُهُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إلَخْ) نَظَرٌ فِيهِ فِي النَّهْرِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ قَتَلَ حَرْبِيًّا أَيْ لَا وَلِيَّ لَهُ وَبِهَذَا تَغَايَرَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ عَنْ الْحَمَوِيِّ فِي النَّظَرِ نَظَرٌ إذْ وُجُودُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَلَا وُجُودٍ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ فَيَدَّعِيَ فَيَكُونَ الْمَالُ فَلْيُحَرَّرْ اهـ (قَوْلُهُ فَإِرْثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ) الْمُرَادُ يُوضَعُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِيُصْرَفَ فِي مَصَارِفِهِ لِأَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ غَيْرُ وَارِثٍ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ لَكِنْ بَعْدَ التَّأَنِّي) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَالْهَمْزَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ التَّمَهُّلِ

[بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ]

<<  <  ج: ص:  >  >>