للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِدُونِ الْمُطَالَبَةِ بِالثَّمَنِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ صَارَ مُؤَجَّلًا إلَى الْمَيْسَرَةِ بِتَأْجِيلِ الشَّارِعِ وَبِالْعَجْزِ عَنْ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ مِنْ الْمُتَعَاقِدِينَ لَا يَجِبُ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ فَكَيْف يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي تَأْجِيلِ الشَّارِعِ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ تَأْجِيلِهِمَا.

وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ وُجِدَ مَالُهُ وَهَذَا مَالُ الْمُشْتَرِي لَا مَالُ الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً أَنْ لَوْ قَالَ فَأَصَابَ رَجُلٌ عَيْنَ مَالٍ قَدْ كَانَ بَاعَهُ مِنْ الَّذِي وَجَدَهُ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ كُلِّ الْغُرَمَاءِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَالَ مَنْ سُرِقَ مَالُهُ أَوْ ضَاعَ لَهُ مَتَاعٌ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ» رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَقَوْلُهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ قُلْنَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْمِلْكِ وَهُوَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُفِيدُ التَّسْوِيَةَ فِي الْقَبْضِ فَقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ بِالتَّأْجِيلِ إلَى الْمَيْسَرَةِ وَلَوْ قَالَ وَلَوْ تَسَلَّمَ مَتَاعًا بِإِذْنِ بَائِعِهِ إلَى آخِرِهِ كَانَ أَوْلَى وَلِإِفَادَةِ شَرْطِ التَّسْلِيمِ، وَالْإِذْنِ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ]

(فَصْلٌ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ) الْبُلُوغُ فِي اللُّغَةِ الْوُصُولُ وَفِي الِاصْطِلَاحِ انْتِهَاءُ حَدِّ الصِّغَرِ وَلَمَّا كَانَ الصِّغَرُ أَحَدَ أَسْبَابِ الْحَجْرِ وَجَبَ بَيَانُ النِّهَايَةِ بِهَذَا الْفَصْلِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ، وَالْإِحْبَالِ، وَالْإِنْزَالِ وَإِلَّا فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ سَنَةً) الْحُلْمُ بِالضَّمِّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ أَمَّا الِاحْتِلَامُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْحَبَلُ، وَالْإِحْبَالُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْإِنْزَالِ وَأَمَّا السِّنُّ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ قَالَ عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَعُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَدَمَ الْإِجَازَةِ لِعَدَمِ الْبُلُوغِ، وَالْإِجَازَةُ لِلْبُلُوغِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ الْإِمَامِ فِي الْغُلَامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً قِيلَ الْمُرَادُ أَنْ يَطْعَنَ فِي التَّاسِعَ عَشْرَةَ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتِمُّ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ سَنَةً وَإِلَّا وَيَطْعَنُ فِي التَّاسِعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَمَّا كَانَ الذَّكَرُ أَشْرَفَ قُدِّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَالْجَارِيَةُ بِالْحَيْضِ، وَالِاحْتِلَامِ، وَالْحَبَلِ وَإِلَّا فَحَتَّى يَتِمَّ لَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً) أَمَّا الْحَيْضُ فَلِأَنَّهُ يَكُونُ فِي أَوَانِ الْحَبَلِ عَادَةً فَجُعِلَ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْبُلُوغِ وَأَمَّا الْحَبَلُ فَلِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ غَيْرَ أَنَّ النِّسَاءَ نَشْؤُهُنَّ وَإِدْرَاكُهُنَّ أَسْرَعُ فَزِدْنَا سَنَةً فِي حَقِّ الْغُلَامِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعِ الَّتِي مِنْهَا مَا يُوَافِقُ الْمِزَاجَ لَا مَحَالَةَ فَيَقْوَى فِيهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيُفْتَى بِالْبُلُوغِ فِيهِمَا بَخَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةً) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى الشَّرْحِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَأَدْنَى الْمُدَّةِ فِي حَقِّهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَفِي حَقِّهَا تِسْعُ سِنِينَ) يَعْنِي لَوْ ادَّعَيَا الْبُلُوغَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تُقْبَلُ مِنْهُمَا وَلَا تُقْبَلُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَكْذِيبُهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ بِالْبُلُوغِ إذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَكْثَرَ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَدْنَى الْمُدَّةِ وَهَذِهِ الْمُدَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا أَوْ بِالتَّتَبُّعِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَإِنْ رَاهَقَا وَقَالَا قَدْ بَلَغْنَا صُدِّقَا وَأَحْكَامُهُمَا أَحْكَامُ الْبَالِغِينَ) يُقَالُ رَهِقَ مِنْ كَذَا أَيْ دَنَا مِنْهُ وَصَبِيٌّ مُرَاهِقٌ دَنَا مِنْ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُمَا كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْمَأْذُونِ]

(كِتَابُ الْمَأْذُونِ) تَأْخِيرُ كِتَابِ الْمَأْذُونِ عُقَيْبَ كِتَابِ الْحَجْرِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَقْتَضِي سَبْقَ الْحَجْرِ وَلَمَّا تَرَتَّبَ وُجُودًا تَرَتَّبَ أَيْضًا ذِكْرًا لِلتَّنَاسُبِ، وَالْكَلَامُ هُنَا مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً الثَّانِي فِي دَلِيلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ الثَّالِثُ فِي سَبَبِهِ الرَّابِعُ فِي رُكْنِهِ الْخَامِسُ فِي شَرْطِهِ السَّادِسُ فِي تَفْسِيرِهِ السَّابِعُ فِي حُكْمِهِ أَمَّا مَعْنَاهُ لُغَةً قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ الْإِذْنُ هُوَ الْإِطْلَاقُ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْحَجْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ فَكَانَ إطْلَاقًا عَنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ كَانَ. اهـ.

وَفِي النِّهَايَةِ أَمَّا اللُّغَةُ فَالْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ رَفْعُ الْمَانِعِ لِمَنْ هُوَ مَحْجُورٌ عَنْهُ وَإِعْلَامٌ بِإِطْلَاقِهِ فِيمَا حَجَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الشَّيْءِ إذْنًا وَأَبْعَدَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَالْإِذْنُ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ وَمِنْهُ الْأَذَانُ وَهُوَ الْإِعْلَامُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْ أَذِنَ فِي كَذَا إذَا أَبَاحَهُ وَأَذَانُ مَنْ أَذِنَ بِكَذَا إذَا أَعْلَمَ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ

<<  <  ج: ص:  >  >>