للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ الْقَسَامَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَقْسَمَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دِرَايَةٌ بِعِلْمِ الْأَدَبِ وَأَمَّا فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ فَهِيَ أَيْمَانٌ يَقْسِمُ بِهَا أَهْلُ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ بِهِ أَثَرٌ يَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمْ وَاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا كَذَا فِي الْعِنَايَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا شَرْعًا فَمَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْمَحَلَّةِ أَوْ دَارِ رَجُلٍ فِي الْمِصْرِ إنْ كَانَ جِرَاحَةً أَوْ أَثَرَ ضَرْبٍ أَوْ أَثَرَ خَنْقٍ وَلَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ يَقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ كُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا. اهـ.

أَقُولُ: مَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ إنَّمَا هُوَ مَسْأَلَةُ الْقَسَامَةِ شَرْعًا فَإِنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَبِيلِ التَّصَوُّرَاتِ وَمَا ذُكِرَ فِيهَا تَصْدِيقٌ مِنْ قَبِيلِ الشَّرْطِيَّاتِ كَمَا تَرَى نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ تَفْسِيرُ الْقَسَامَةِ شَرْعًا بِتَدْقِيقِ النَّظَرِ لَكِنَّهُ فِي مَوْضِعِ بَيَانِ مَعْنَى الْقَسَامَةِ شَرْعًا فِي أَوَّلِ الْبَابِ تَعَسُّفٌ خَارِجٌ عَنْ سُنَنِ الطَّرِيقِ وَأَمَّا رُكْنُهَا فَهُوَ أَنَّهُ يَجْرِي مِنْ أَنْ يُقْسِمَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يُقْسِمُ بِهَا عَلَى لِسَانِهِ ثُمَّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ.

وَأَمَّا شَرْطُهَا فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُقْسِمُ رَجُلًا بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْقَسَامَةِ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْعَبْدُ وَأَنْ يَكُونَ فِي الْمَيِّتِ الْمَوْجُودِ أَثَرُ الْقَتْلِ وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ وَمِنْ شَرْطِهَا أَيْضًا تَكْمِيلُ الْيَمِينِ بِالْخَمْسِينَ. اهـ.

وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا كَذَلِكَ وَمِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا أَنْ لَا يُعْلَمَ قَاتِلُهُ فَإِنْ عُلِمَ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ وَلَكِنْ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ أَوْ الدِّيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْقَتِيلُ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلَا قَسَامَةَ فِي بَهِيمَةٍ وُجِدَتْ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ وَمِنْهَا الدَّعْوَى مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ يَمِينٌ وَالْيَمِينَ لَا تَجِبُ بِدُونِ الدَّعْوَى كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى وَمِنْهَا إنْكَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَظِيفَةُ الْمُنْكِرِ وَمِنْهَا الْمُطَالَبَةُ فِي الْقَسَامَةِ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّ الْمُدَّعِي وَحَقُّ الْإِنْسَانِ يُوَفَّى عِنْدَ طَلَبِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيلُ مِلْكًا لِأَحَدٍ أَوْ فِي يَدِ أَحَدٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَا فِي يَدِ أَحَدٍ أَصْلًا فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ فِي قِنٍّ أَوْ مُدَبَّرٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ مَأْذُونٍ وُجِدَ مَقْتُولًا فِي دَارِ مَوْلَاهُ نَصَّ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى هَاتِيك الشُّرُوطِ كُلِّهَا بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَعَ زِيَادَةِ تَفْصِيلٍ وَأَوْرَدَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ.

إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي دَارِ مُكَاتَبٍ فَعَلَيْهِ الْقَسَامَةُ وَإِذَا حَلَفَ يَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدِّيَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَدَائِعِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ حُرٌّ يَدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُرًّا رَقَبَةً كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْبَابِ السَّابِقِ فَوُجِدَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ فَجَازَ اشْتِرَاطُنَا الْحُرِّيَّةَ فِي الْقَسَامَةِ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَأَمَّا صِفَتُهَا فَهِيَ وُجُوبُ الْأَيْمَانِ وَأَمَّا دَلِيلُهَا فَالْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَأَمَّا سَبَبُهَا فَوُجُودُ الْقَتِيلِ فِي الْمَحَلَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَتِيلٌ وُجِدَ فِي مَحَلَّةٍ لَمْ يُدْرَ قَاتِلُهُ حَلَفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ يَتَخَيَّرُهُمْ الْوَلِيُّ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا) هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ عَنْ الْجَمِيعِ وَأَمَّا عِنْدَ الْحَلِفِ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَلِمْت لَهُ قَاتِلًا لِجَوَازِ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَحْدَهُ فَيَجْرِي عَلَى يَمِينِهِ مَا قُلْنَا يَعْنِي جَمِيعًا وَلَا يُعْكَسُ لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ كَانَ قَاتِلًا لَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ اسْتَحْلَفَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُقْضَى لَهُمْ بِالدِّيَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَتْ الدَّعْوَى أَوْ خَطَأً وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُقْضَى بِالْقَوَدِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَاللَّوْثُ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلَامَةُ الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ يَشْهَدُ عَدْلٌ أَوْ جَمَاعَةٌ غَيْرُ عُدُولٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ لَوْثٌ اُسْتُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.

فَإِنْ حَلَفُوا لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا حَلَفَ الْمُدَّعِي وَاسْتَحَقَّ مَا ادَّعَاهُ لَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ الْحَدِيثَ وَقَوْلُهُ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الدَّمِ وَالْأَمْوَالِ عَلَى ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَمَا رُوِيَ فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ قَوْمٍ قَالَ يَسْتَحْلِفُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَهُوَ كَقَوْلِ الْمُؤَلِّفِ قَتِيلٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ جُرِحَ رَجُلٌ فِي قَبِيلَةٍ وَلَمْ يُعْلَمْ جَارِحُهُ فَإِمَّا أَنْ يَصِيرَ صَاحِبَ فِرَاشٍ أَوْ يَكُونَ صَحِيحًا بِحَيْثُ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا ضَمَانَ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْقَبِيلَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ الثَّانِي لَا شَيْءَ فِيهِ. اهـ.

وَأَطْلَقَ فِي الْقَتِيلِ فَشَمِلَ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ وَالدَّعْوَى بِذَلِكَ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ وَادَّعَى وَلِيُّ الْقَتِيلِ الْقَتْلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ وَلِيُّهُ فَإِنْ ادَّعَى عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا وَلِيَّهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ هُوَ

<<  <  ج: ص:  >  >>