للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التأويل، والجملة عبارة عن منطقة مكة التي كانت قبل الإسلام حرما آمنا يحرم فيه سفك الدم والظلم، وذلك بسبب وجود الكعبة التي كان يحج إليها العرب ويقدسونها.

في هذه الآية صورة أخرى من صور الحجاج بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار، وأسلوب آخر من أساليب الدعوة. فشقها الأول يحكي قول الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم إن اتبعوا الهدى الذي يدعو إليه لن يلبثوا أن يصبحوا عرضة للمعتدين ونهبا للناهبين، وشقها الثاني يرد عليهم متسائلا عما إذا لم يكن الله قد جعلهم آمنين من العدوان بالحرم الذي أحلّهم فيه ومكّنه لهم وآمنين كذلك من العوز بما يأتي إليه من ثمرات كل شيء من كل مكان، ثم تنتهي الآية بتقرير أن أكثرهم لا يعلمون حكمة الله ولا يقدرون تدبيراته.

تعليق على آية وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا

وقد روى المفسرون أن الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنّا لنعلم أن الذي تقول هو الحق ولكنا إن تبعناك نخشى أن يخرجنا العرب من أرض مكة ولسنا أكثر من أكلة رأس «١» ، وهذا متسق إجمالا مع روح الآية، غير أن عطفها على ما سبقها يلهم أنها لم تنزل بسبب هذا القول مباشرة أو فورا ومنقطعة عن السياق السابق كما أن صيغة الجمع فيها قد تدل على أن هذا القول لم يصدر من شخص واحد أو على الأقل أنه معبر عن رأي فريق من الكفار، فذكر في الآية في سياق ذكر مواقف الكفار وأقوالهم والتنديد بها والردّ عليها وإقامة الحجة على أصحابها.

ويظهر أن زعماء مكة كانوا يحسبون أن الدين الجديد الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم سيقضي فيما يقضي عليه على تقاليد الحج والأشهر الحرم وأمن حرم مكة وقدسية الكعبة التي كان جوفها وفناؤها مستقرا لأوثانهم التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشن عليها حربا


(١) انظر تفسيرها في الطبري وابن كثير والطبرسي والخازن.

<<  <  ج: ص:  >  >>