للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السيئات في الآية قائم على ما هو المتبادر على كون المرء الذي يبدر منه خطيئة حينما يقف أمام الله عز وجل يتذكر ما بدر منه فيشعر بالخجل والندم ويسوقه هذا إلى التكفير عن عمله والكف عنه. وفي الفقرة الأخيرة من الآية توضيح هذا المعنى أو قرينة عليه، ففي ذكر الله قوة رادعة عن الشر دافعة إلى الخير. والصلاة أقوى وسيلة إلى ذكر الله. ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن الصلاة التي لا تؤدي إلى هذه النتيجة ليس من شأنها أن تمحو سيئة ما. وأن ما يتوهمه عوام الناس من أنهم يتلافون بقيامهم وركوعهم وسجودهم الآلي فقط نتائج ما يقترفونه من ذنوب في غير محله. فهدف الآية هو إصلاح النفس وإيقاظ الضمير بوسيلة الصلاة وذكر الله تعالى فيها. ولا يكون هذا مجديا إلّا إذا صلى المرء خاشعا شاعرا ذاكرا متأثرا نادما على ذنبه مصمما على توبته منه معتقدا ذلك فعلا. ومن الأحاديث النبوية التي وردت في هذا المعنى: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» «١» و «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» «٢» .

وقد يتبادر مع ذلك أن كلمة (السيئات) في الآيات والأحاديث قد عنت الهفوات الصغيرة التي سميت في القرآن باللمم أيضا التي قد يغفرها الله تعالى للمسلم بحسنات صلاته إذا أداها على وجهها واجتهد في الوقت نفسه في تجنب الكبائر على ما شرحناه في سياق سورة النجم بما يغني عن التكرار. وفي أحد الأحاديث التي مر إيرادها «إن الصلاة كفارة لما قبلها ما لم تغش الكبائر» حيث ينطوي في هذا تأييد لما قلناه.

وجملة إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ جاءت بأسلوب مطلق، وهي في الوقت ذاته جملة تامة، وقد تبادر لنا من ذلك أنها تتضمن في ذاتها مبدأ عاما، وإن الصلاة على عظم خطورتها هي من الحسنات وليست كل الحسنات، فالصدقات المفروضة (الزكاة) والتطوعية حسنة، والجهاد حسنة، ومساعدة الضعفاء والذبّ عنهم حسنة، والبرّ بالوالدين حسنة، والتعاون على الحق والخير والصبر والأمر


(١) انظر تفسير آية سورة العنكبوت في تفسير ابن كثير.
(٢) انظر تفسير آية سورة العنكبوت في تفسير ابن كثير.

<<  <  ج: ص:  >  >>