للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذبائح أهل الكتاب ونسائهم أو وقعت وقائع متصلة بذلك فاقتضت الحكمة تنزيل الآية ولعلّ ما ذكر في الآيات السابقة من الحالات التي يحرم فيها أكل الأنعام مما أثار ذلك وقد يخطر بالبال أيضا أن يكون ذلك في مناسبة وقعة خيبر التي وقعت بعد صلح الحديبية بمدة قصيرة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الفتح استئناسا من كون الآيات قد نزلت بعد ذلك الصلح بمدة قصيرة على ما ذكرناه قبل. ولقد روي أن امرأة يهودية أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة مطبوخة. وأنه تزوج صفية بنت حيي بن أخطب زعيم اليهود التي كانت بين السبايا «١» . فلعل بعض المسلمين تساءل عن الأمر فنزلت الآية تؤيد ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما تكرر وقوعه ومرت أمثلة عديدة منه. وجملة وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) قد تكون تضمنت إيذانا بأن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان بإلهام الله تعالى لحكمة سامية. وإنذارا للمسلمين بأن عليهم أن يؤمنوا بكل ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه رسول الله وأن من يتردد أو يرتاب في ذلك يحبط عمله ويكون من الخاسرين في الآخرة. والله أعلم.

ويلفت النظر إلى كلمة الْيَوْمَ التي استهلت بها الآية ثم إلى جملة أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ بعدها والتي احتوت مثلها الآية السابقة للآية. فهذا وذاك من القرائن التي نراها قوية على صلة الآية بما سبقها نظما وسياقا وموضوعا وعلى قوّة احتمال نزولها معها أو عقبها وعلى ضعف احتمال انصراف كلمة الْيَوْمَ في الآية الثالثة إلى يوم عرفة في حجة الوداع كيوم لنزولها.

والحكمة في هذا التشريع بليغة بعيدة المدى. فالقرآن ما فتىء يقرر وحدة المنبع والهدف التي تجمع بين المسلمين وأهل الكتاب وتجعلهم بمثابة جبهة واحدة ويوجب على المسلمين احترام كتبهم وأنبيائهم. فجاء هذا التشريع المستمد من تلك الوحدة التي ينطوي فيها تقرير كون الكتابيين مؤمنين بالله على كل حال صراحة أو تأويلا ولا يشبهون المشركين والوثنيين في طعامهم وذبائحهم ومناكحهم


(١) انظر ابن سعد ج ٣ ص ١٦٢- ١٦٣ وابن هشام ج ٣ ص ٣٨٨- ٣٩٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>