للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كِتَابِهِ، مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَرَمْيِهِمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، إِذْ يُحْدِثُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمْرًا وَهُوَ: إِسْلَامُ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ -رضي اللَّه عنه-.

وَدَعُونَا نَتْرُكُ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ -رضي اللَّه عنه- يُحَدِّثُنَا بِنَفْسِهِ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ -رضي اللَّه عنه-: لَمَّا سَارَتِ الْأَحْزَابُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، سِرْتُ مَعَ قَوْمِي وَأَنَا عَلَى دِينِي ذَلِكَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِي عَارِفًا، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ فكَتَمْتُ ذَلِكَ قَوْمِي، وَخَرَجْتُ حَتَّى أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَآنِي جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: "مَا جَاءَ بِكَ يَا نُعَيْمُ؟ ".

قُلْتُ: إِنِّي جِئْتُ أُصَدِّقُكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِي فِي الدَّلَائِلِ: قَالَ نُعَيْمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِي أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي فَمُرْنِي أَمْرَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ (١) عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ: فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ" (٢).


(١) تَخَاذَلَ القومُ: تَدَابَرُوا. انظر لسان العرب (٤/ ٤٥).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٦/ ٢٦٩): أَصْلُ الخَدْعِ: إِظْهَارُ أمرِ وإِضْمَارُ خلافِهِ، وفي هذا الحديث: التحريض على أخذ الحَذَرِ في الحرب، والندب إلى خِدَاعِ الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه، وفيه الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب.
وقال الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (١٢/ ٤٠): واتفقوا على جواز خِدَاعِ الكفار في الحرب كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز.
وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الحرب خدعة" أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٠٣٠) - =

<<  <  ج: ص:  >  >>