للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الدّليل الأوّل:

قالوا: لا يجوز للمفتي أخذ الرزق على عمله إِلَّا إذا كان محتاجًا ولم يتعين عليه قياسًا على وليّ اليتيم، فإنّه يأخذ مع الفقر ولا يأخذ مع الغنى، قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النِّساء: ٦] بجامع أن كلًا منهما منتصبًا لمعاملة الرعية بالأحظ لهم (١).

[مناقشة الاستدلال]

يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:

إنَّ قياس المفتي على وصي اليتيم قياس مع الفارق، فإن ولي اليتيم المنفعة منه خاصّة، والمنفعة من المفتي عامة، فإلحاقه بعامل الزَّكاة أولى لعموم الحاجة إليه وحصول المصلحة العامة به (٢)، وعليه فإنّه يجوز له أخذ الرزق من بيت المال مطلقًا.

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ الإفتاء إذا كان متعينًا على المفتي لعدم وجود غيره أو نحو ذلك وكان في كفاية فلا يجوز له أخذ الرزق على الإفتاء؛ لأنّه يؤدِّي فرض عين، ولا حاجة تدعوه لأخذ الرزق (٣).

[مناقشة الاستدلال]

يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:

أن الرزق من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، إنّما هو إعانة على الطّاعة وليس عوضًا عنها؛ لأنّه لما فرغ نفسه لعمل المسلمين كانت كفايته في مالهم، وإلا تعطل هذا المنصب، وهذا لا يمكن لحاجة المسلمين الشديدة إليه.


(١) إعلام الموقعين لابن القيم ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢، ٣/ ١٤٦ - ١٤٧.
(٢) إعلام الموقعين لابن القيم ٣/ ١٤٦.
(٣) كشاف القناع للبهوتي ٦/ ٢٩١، وانظر: أدب القضاء لابن أبي الدِّم ص: ١٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>