للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

"تَأَلَّفُوا النَّاسَ، وَلَا تُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَدْعُوهُمْ (١)، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَلَا مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ (٢)، إِلَّا تَأْتُونِي بِهِمْ مُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْتْوني بِنِسَائِهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ وَتَقْتُلُوا رِجَالَهُمْ" (٣).

وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ، لَا يُمْكِنُ لَنَا وَلَا لِأَحَدٍ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي أَوْضَاعِ الْحُرُوبِ وَأثارِهَا وَخَلْفِيَّاتِهَا. . . لَا يُمْكِنُ لَنَا إِلَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَانَ أَكْبَرَ قَائِدٍ عَسْكَرِيٍّ فِي الدُّنْيَا، وَأَسَدَّهُمْ (٤) وَأَعْمَقَهُمْ فِرَاسَةً وَتَيَقُّظًا، إِنَّهُ صَاحِبُ عَبْقَرِيَّةٍ فَذَّةٍ فِي هَذَا الْوَصْفِ، كَمَا كَانَ سَيِّدَ الرُّسْلِ وَأَعْظَمَهُمْ فِي صِفَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَلَمْ يَخُضْ مَعْرَكَةً مِنَ الْمَعَارِكِ إِلَّا فِي الظَّرْفِ، وَمِنَ الْجِهَةِ اللَّذَيْنِ يَقْتَضِيهِمَا الْحَزْمُ وَالشَّجَاعَةُ وَالتَّدْبِيرُ، وَلذَلِكَ لَمْ يَفْشَلْ فِي أَيِّ مَعْرَكَةٍ مِنَ الْمَعَارِكِ التِي خَاضَهَا لِغَلَطِهِ فِي الْحِكْمَةِ، وَمَا إِلَيْهَا مِنْ تَعْبِئَةِ الْجَيْشِ، وَتَعْيِينِهِ عَلَى الْمَرَاكِزِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ، وَاحْتِلَالِ أَفْضَلِ الْمَوَاضِعِ وَأَوْثَقِهَا لِلْمُجَابَهَةِ، وَاخْتِيَارِ أَفْضَلِ خُطَّةٍ لِإِدَارَةِ دَفَّةِ الْقِتَالِ، بَلْ أَثْبَتَ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنَّ له نَوْعًا آخَرَ مِنَ الْقِيَادَةِ غَيْرُ مَا عَرَفتهَا، وَتَعْرِف الدُّنْيَا فِي الْقُوَّادِ، وَلَمْ يَقَعْ مَا


= الحديث (١٢٥٥) عن صخر الغامدي -رضي اللَّه عنه- قال: كان رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا بعث سرية أو جيشًا، بعثهم أوَّل النهار. وقال الترمذي: حديث حسن.
(١) روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح على شرط مسلم - رقم الحديث (٢١٠٥) - عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: ما قاتل رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قومًا قط إِلَّا دعاهم.
(٢) يريد رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "أهل بيت مدر ووبر": أي أهل البوادي والمدن والقرى، وهو من وبئر الإبل، لأنَّ بيوتهم يتخذونها منه. انظر النهاية (٥/ ١٢٧).
(٣) أورد هذا الحديث الصالحي في سيرته الشامية (٦/ ٧)، وعزاه إلى مُسَدَّد، والحارث بن أبي أسامة مرسلًا.
(٤) السَّدِيدُ: الصَّوَابُ من القول، والتَّسْدِيدُ: التَّوْفِيقُ. انظر لسان العرب (٦/ ٢١٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>