وبينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذا يبكي فكثر بكاؤه حتى فزع أهله، وسألوه ما الذي أبكاك؟ فاستحجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى ابن أبي حازم، فجاء فقال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ فقال: مرت بي آية من كتاب الله في سورة الزُمَر: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: ٤٧]، أي: ظهر لهم وقت البعث ما لم يكونوا يحتسبون في الدنيا أنه نازل بهم من العقاب، بدل ما يحتسبون من الثواب؛ لأن أعمالهم مع كثرتها لا تنفعهم مع شركهم، كذا في (عيون التفاسير)، فبكى ابن أبي حازم، واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله: جئنا بك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما.
قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده وفي دويرته، ودويرات أحواله فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم منقبة سعيد بن جبير أنه كان إذا قام إلى الصلاة كأنه ولد، وكان يبكي الليل حتى غشى، وسمع ويردد هذه الآية بضعًا وعشرين مرة في سورة البقرة: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: ٢٨١].
وكان يختم في كل ليلتين، وكان يخرج في السنة مرتين، مرة للحج، ومرة للعمرة.
قال: لدغتني عقرب، فأقسمت أمي على أن أسترقي فأعطيت الراقي يدي التي لم تلدغ، وكرهت أن أحنثها، وكان له ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح، فلم يصل تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له قطع الله صوته، فلم يسمع له صوت بعدها، فقالت له أمه: يا بني لا تدع على شيء بعدها.
قال: إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية.
والذكر: طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر، وإن أكثر التسبيح والتلاوة كذا ذكره أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١).
عن عائشة، رضي الله عنها، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من امرِئ أي: شخص تكون له صلاة بالليل أي: بطريق الورد، يَغْلبُه عليها أي: على صلاته نوم.
قال الباجي - من المالكية: هو على وجهين: أحدهما: أنه يذهب به النوم فلا يستيقظ، والثاني: أن يستيقظ، ويمنعه غلبة النوم من الصلاة، فهنا حكمة: أن ينام حتى
(١) انظر: صفة الصفوة (٢/ ١٤٠).