للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بذلك مبالغة في الزجر والتغليظ، وهل النهي للتحريم أو للتنزيه؟ قولان شهيران معًا عند المالكية، والمشهور عند الشافعية أنه للتنزيه، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال الظاهرية.

وقال ابن عبد البر (١): لا يجوز الحلف بغير الله بالإِجماع، ومراده ينفي الجواز والكراهة أعم من التحريم والتنزيه، فإنه قال في موضع آخر: جمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بغيره تعالى، وإنما خص الحديث بالآباء لوروده على سببه المذكور، أو لكونه غالب حلفهم لقوله في الرواية الأخرى: وكانت قريش تحلف بآبائها ويدل على التعميم قوله: فمن كان حالفًا فليحلف بالله أي: لا بغيره من الآباء وغيرهم، ثم ليبرر من الإِبرار يقال: برت يمينه من باب فرح، أي صدقت وبر الحالف في يمينه وأبرها أمضاها على الصدق. كذا في (المغرب) أو ليصمُت" أي: ليسكت عن اليمين مطلقًا وهو بضم الميم كما ضبطه غير واحد، وكأنه الرواية المشهورة وإلا فقد قال الطوفي: سمعناه يكسرها، وهو القياس؛ لأن القياس فعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل، كضرب يضرب ويفعل بضم العين فيه دخيل، كما في (خصائص) ابن جني، أي: لا يحلف لا أنه يلزمه الصمت إذا لم يحلف بالله فهو نظير قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: ١٩٣] أي: أم لم تدعوهم، والتخيير في حق من وجبت عليه اليمين فيحلف ليبرأ أو يترك ويعزم، وظاهر أن اليمين بالله مباحة؛ لأن أول مراتب الأمر الإِباحة، وإليه ذهب الأكثر، وهو الصحيح نقلًا؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - حلف كثيرًا وأمره الله به: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} ونظرًا لأنه تعظيم لله تعالى، لكن اتفق العلماء والفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية، فكان المراد بقوله: بالله الذات لا (ق ٨٩٠) خصوص لفظ الله، فمن حلف بغيره لم تنعقد يمينه كان المحلوف به يستحق التعظيم كالأنبياء عليهم السلام والملائكة أولًا كالآحاد، ويستحق التحقير كالشياطين والأصنام، وليستغفر الله لإِقدامه على ما نهى عنه ولا كفارة، نعم استثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف بنبينا - صلى الله عليه وسلم - فقال: تنعقد به اليمين وتجب الكفارة بالحنث؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أحد ركني الشهادة الذي لا تتم به ولا حجة في ذلك، إذ لا يلزم من انعقاد اليمين به ولا جواز الحلف به، ولا سيما مع صحة هذا النهي التصريح عنه - صلى الله عليه وسلم - جيد عن ذلك ولله تعالى


(١) في التمهيد (١٤/ ٣٦٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>