للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن ذلك من شأنهما لأنهما من رجال السيف والحكم والحرب، أما أن تصدر الدعوة إلى الجهاد من طريقة صوفية فذلك هو عين التعصب الديني والطموح الشخصي، حسب تعبير المصادر الفرنسية (١).

والواقع أن الفرنسيين أنفسهم حاولوا استغلال الطرق الصوفية لصالحهم منذ البداية، ففي سنة ١٨٣١ وقع اتفاق هو الأول من نوعه بين قائد الجيش الفرنسي الجنرال (بيرتزين) والحاج محيي الدين بن مبارك، مرابط مدينة القليعة، وكان ذلك بنصيحة الناصحين أو المستشارين الذين أشاروا على الجنرال بأن الذي سيهذئ من المقاومة هو إعطاء أحد المرابطين قيادة المناطق المجاورة للعاصمة، فأعطى الجنرال لقب (الآغا) إلى الحاج محيي الدين وكلفه بتهدئة الأوضاع وبمهمة الوساطة بين العرب والفرنسيين، ولكن عهد الجنرال بيرتزين لم يطل وجاء بعده (الدوق دورفيقو) بعقلية الغطرسة والتحكم، وقضى على آمال الواسطة، وعادت المقاومة كأشد ما تكون، وهرب الحاج محيي الدين إلى مليانة حيث سلطة الأمير عبد القادر، وخدم الأمير إلى أن مات حوالي ١٨٣٤، والذي يهمنا هنا هو أن قيادة المرابطين والطرق الصوفية أخذت تلعب دورا رئيسيا في الأحداث بل الدور الأول، وذلك في الوقت الذي تخاذلت فيه السلطة الزمنية على يد الزعماء العثمانيين من أمثال الداي حسين، والباي حسن بن موسى (وهران) ومصطفى بومزراق (التيطري). وعلى يد رجال المخزن أمثال مصطفى بن إسماعيل في غرب البلاد وفرحات بن سعيد في شرقها، وبعد احتلال قسنطينة (١٨٣٧) سيظهر أيضا بشكل أجلى تخاذل السلطة الزمنية في أمثال المقرانيين وأولاد ابن قانة، وقيام الطرق الصوفية، سيما الرحمانية التي تحالفت مع الأمير عبد القادر إلى هزيمته ١٨٤٧، ثم تولت هي (الرحمانية) المقاومة والجهاد بعده، في زواوة


(١) البحث الذي كتبه مجهول بعنوان (الجهاد أو الحرب المقدسة عند المسلمين) والذي نشر في مصدرين مختلفين وفي زمنين متفاوتين، أحدهما (سجل الإحصاءات - طابلو - لسنة ١٨٣٩). ص ٢٥١ - ٢٥٨، والثاني في (المجلة الشرقية والجزائرية) سنة ١٨٥٢، ص ٤٤٨ - ٤٥١، نقلا عن أرشيف وزارة الحربية،

<<  <  ج: ص:  >  >>