للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من أعرف الناس بتقييم العلماء في هذا الميدان لحاسته النقدية والعلمية الدقيقة، وكان قد سمع عن الشيخ البوجليلي من تلاميذه.

التحق محمد بن بلقاسم بزاوية اليلولي سنة ١٢٦١ (١٨٤٥). وكان قد حفظ القرآن على والده. فيكون عمره إذاك حوالي ١٤ سنة كما جرت عادة صبيان المنطقة. ومن شيوخه في زاوية اليلولي، العربي الأخداشي ومحمد الطاهر الجنادي ومحمد بن علي بن مالك التقابي، وقد ذكرنا قبلا أن زاوية اليلولي من المتخصصات في الدراسات القرآنية، ولذلك كانت قراءة البوجليلي مركزة على القراءات برواية قالون، ثم قرأ العشر، وتعلم النحو. ودام ذلك حوالي أربع سنوات. وتعلم بالإضافة إلى القراءات علوما ذكرناها كالفقه والتوحيد والنحو والصرف والحساب والفلك. وسند البوجليلي في القراءات مذكور في المصادر التي بين أيدينا عن شيوخه المذكورين عن شيوخهم إلى الشيخ اليلولي المتوفى سنة ١١٠٥ (١٦٩١). وأما سنده في الفقه والطريقة الرحمانية فقد أخذه عن شيخه محمد امزيان الحداد بصدوق. وختم على يديه أيضا السلم المرونق في المنطق للأخضري وكذلك الجوهر المكنون له في المعاني والبيان، كما أخذ عنه الاستعارات للسمرقندي.

وبعد أربع سنوات في زاوية اليلولي انتصب للتدريس بها حوالي ثلاثين سنة. وقد درس علوما شتى هي التي تلقاها عن شيوخه، ولكنه عرف بالتمهر في علم النحو، وهو علم عقلي، كما نعرف. وعز عليه أن يرى بلاده وقد تنكر لها الزمان، وملكها الطغيان، وعاصر أحداث الثورتين في المنطقة - ١٨٥٧، و ١٨٧١ وما رافقهما وما لحق وراءهما، سيما الثانية، من انتقامات مريعة. وتأمل في سبب ما عليه الفرنسيون من قوة وجبروت وما عليه الجزائريون من ذل وهوان. فأراد أن يجاهد بطريقته وأن يحافظ على التراث، وأن يبث في تلاميذه روح المواصلة للمقاومة مع نور العقل وروح الإصلاح. ولذلك لم يفتح زاوية لإعطاء الأوراد والبركات الصوفية ولكن فتحها للتدريس ومنح الإجازات (الشهادات)، كما لاحظ الخبراء الفرنسيون المعاصرون له. ولعله اتخذ التصوف المسموح به غطاء للعلم غير المسموح

<<  <  ج: ص:  >  >>