للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تسمح له بالاقامة فيها فقبلت. وظن أن باب التنصير قد انفتح له. فجاء معه برئيسه، لورنسو، رئيس جماعة الجزويت، وجلسا معا في جماعة من الناس. فإذا بالدخان يتصاعد بالقرب من السجادة التي يجلسان عليها. فغادرا المكان على الفور، واشتكيا إلى رئيس المكتب العربي في الناحية، وهو الضابط مارتن، فقام هذا بمعاقبة أربعة ممن حضروا حتى يظهر لبني فرح سطوة الفرنسيين وقوتهم، وأدخلهم السجن، ثم طلب من كروزا أن يعفو هو عنهم حتى تكون له المزية عليهم وعلى القبيلة كلها. وتم ذلك فعلا.

لكن كروزا لم يصدق فشله. وظل يكرر أن أقلية فقط من بني فرح هي التي تفسد مشروعه، وهي أقلية مستبدة في نظره كانت تمنع القبيلة كلها من اعتناق النصرانية. فجمع له الضابط مارتن أهل القبيلة عن طريق الأمين (أمين الجماعة) وطلب منهم أن يقولوا رأيهم بصراحة في الموضوع، وسألهم: هل ترغبون في اعتناق الكاثوليكية؟ وهل ترضون أن يقيم الأب كروزا بينكم؟ نعم أو لا؟ عندئذ ساد الصمت الرهيب جميع الحاضرين واندهشوا من هذا السؤال. ثم سالت دموعهم مدرارا وانخفضت أصواتهم، فلم يحر أحد منهم الجواب. وبعد برهة أجابوا بصوت واحد وأكيد: إذا كنا أحرارا في التصرف حسب ما تمليه علينا مشاعرنا، فإننا لن نتخلى أبدا عن ديننا ولن نعتنق دينكم أبدا، بل إننا نفضل الموت على تغيير ديننا! وأمام هذا الموقف الرافض بصراحة لمحاولات التنصير، ابتعد كروزا عن بني فرح، وأخذ يحاول في مناطق أخرى محاولات مشابهة، عند بني بودره (بوذراع؟)، وبني يني. غير أن هؤلاء كتبوا إلى الحكومة الفرنسية يقولون إنه إذا استمرت الدعاية الدينية لجماعة الجزويت التي يقودها كروزا، فإنهم لا يضمنون الأمن في المنطقة (١). ونحن نعلم أن زواوة كانت قد عرفت ثورة ١٨٧١ العارمة


(١) ايمريت، (تنصير ..) مرجع سابق، ص ٧٢ - ٧٣. وأمين الجماعة هو محل ثقة الناس لكبر سنة وحكمته وتدينه. وقد برهنت زواوة (القبائل) في مختلف المناسبات على رفضها للتنصير وتمسكها بالاسلام رغم المغريات والأقاويل التي لفقها عنها الاستعماريون.

<<  <  ج: ص:  >  >>