للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الذاتية عند اعتزامه أداء الحج سنة ١١٦٦ فأجاد الوصف بأسلوبه المحكم المعهود، ومن ذلك قوله في هذا الصدد: (لما دعتني الأشواق، النافقة الأسواق، إلى مشاهدة الآثار، والأخذ من الراحة بالثأر، وأن أهجر الأهل والوطن، وأضرب في عراض البيد بعطن، وأن أخلع السالين الساكنين الكرى، وأمتطى ظهر السهر والسرى، لبيت داعيها، وأعطيت كريمة النفس ساعيها، علما مني أن ليس يظفر بالمراد، من لم يتابع الإصدار للإيراد .. ولما انبرى هذا العزم وانبرم، والتظى لاعج الشوق وانضرم. شرعت إذ ذاك في المقصود، وأعددت طلسم ذلك الكنز المرصود، وأخذت في أسباب السفر. وكثيرا ما كان يصدر عني في هذه الحالة من المقطعات الشعرية، والموشحات السحرية، والمراسلات الشحرية، والتقريضات (كذا) الزهرية، ما تثيره الأشواق الغالبة .. فأحببت أن أدخل ذلك كله في خبر الرحلة. ولما شرعت في التقييد والجمع)، لما يجتليه البصر ويتشنفه السمع، عزمت على تسمية ما أسطره بنحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب) (١).

ومن الممكن مقارنة وصف حالة ابن عمار النفسية بوصف الورتلاني لحالته أيضا عند نفس المناسبة، فقد أديا الحج في سنة واحدة، وهذه بعض عبارات الورتلاني في ذلك: (وبعد، فإني لما تعلق قلبي بتلك الرسوم والآثار، والرباع والقفار والديار، والمعاطن والمياه والبساتين والأرياف والقرى والمزارع والأمصار، والعلماء الفضلاء والنجباء والأدباء من كل مكان من الفقهاء والمحدثين والمفسرين الأخيار، والأشياخ العارفين والأخوان المحبين المحبوبين من المجاذيب المقربين والأبرار، من المشرق إلى المغرب سيما أهل الصحو والمحو إذ ليس لهم من غير الله قرار، أنشأت رحلة عظيمة يستعظمها البادي، ويستحسنها الشادي، فإنها تزهو بمحاسنها عن كثير من كتب الأخبار، مبينا فيها بعض الأحكام الغريبة، والحكايات


(١) ابن عمار، ديباجة (نحلة اللبيب)، ٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>