للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومهما كان الأمر، فإن عمل المقري في (نفح الطيب) لا يفوته في بابه إلا عمل ابن خلدون في تاريخه، وإن كان ابن خلدون قد وضع المقدمة في نظرية علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والعمران فإن المقري قد وضع في (نفح الطيب) مقدمة لا غنى عنها في حياة الأندلس وعلمائها وشعرائها، وقد صدق شكيب أرسلان في وصفه لـ (نفح الطيب) بأنه (حقيبة أنباء، وقمطر حوادث، وخزانة آداب، وكشكول لطائف، وديوان أشعار). وفي قوله إن من لم يقرأ (نفح الطيب) ليس بأديب (١)، وقد أشاد بعمل المقري أصدقاؤه الشاميون المعاصرون له، كما أشاد به المحبي الذي عاش بعده بفترة قليلة والذي اعتبره جاحظ المغرب. ثم أهمل الناس المقري، كما أهملوا ابن خلدون، إلى حين اكتشفهما الأوروبيون في القرن الماضي فنشر وترجم القسم الأول من (نفح الطيب) كما نشرت وترجمت مقدمة ابن خلدون، وعندئذ عاد العرب والمسلمون إلى الرجلين يستفيدون من آثارهما ويدرسون أخبارهما، وإذا كان ابن خلدون قد حظي بترجمات وافية لحياته فإن المقري ما زال لم يظفر بهذه الترجمة إلى الآن (٢).

بقي أن نقول إن المقري، رغم أدبه وشعره وطموحه، كان متدينا عن عقيدة وليس مجاراة لأهل العصر. فقد أخذه الانبهار عند رؤية الكعبة الشريفة، وألف مجموعة من كتبه عند قبر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وحج حوالي خمس مرات، وزار بيت المقدس حوالي سبع مرات، وكان حافظا للسند مجيدا في تدريس التفسير وصحيح البخاري كما عرفنا، وألف في التوحيد (إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة). وقرظ شرحا في التصوف كتبه محمد بن سعد الكلشني على رسالة للشيخ أرسلان. وترجم في (نفح الطيب) لأبي مدين وأطال في ذلك لأنه شيخ جده، وللتبرك به، كما ذكر الكثير من كراماته


(١) شكيب أرسلان (الحلل السندسية) ٢/ ١٥٣.
(٢) ترجم للمقري عبد الله عنان، والحبيب الجنحاني، وعبد الغني حسن، ومحمد بن عبد الكريم، كما ظهرت عنه مقالات بأقلام مختلفة مثل شكيب أرسلان وطاهر أحمد مكي.

<<  <  ج: ص:  >  >>