للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذا مُطّرِدٌ ظاهر على أصول مالك وأحمد، في اعتبارهم عرفَ الحالف ونيّته وسببَ يمينه، والله أعلم.

المثال التاسع والستون: يجوز أن يستأجر الشاةَ والبقرة ونحوهما مُدّة معلومةً لِلَبَنِهَا، ويجوز أن يستأجرها لذلك بعَلَفِها وبدراهم مُسَمّاة، والعلفُ عليه، هذا مذهب مالك، وخالفه الباقون.

وقوله هو الصحيح، واختاره شيخنا رحمه الله؛ لأن الحاجة تدعو إليه، ولأنه كاستئجار الظِّئْرِ للبنها مدة، ولأن اللبن وإن كان عينًا فهو كالمنافع في استخلافه وحدوثه شيئًا بعد شيء، ولأن إجارة الأرض لما يَنْبت فيها من الكلأ والشوك (١) جائزة، وهو عينٌ، ولأن اللبن حصلَ بعلفه وخِدمته، فهو كحصول المُغَلِّ بِبذْرِه وخدمته، ولا فرق بينهما، فإن تولُّد اللبن من العلف كتولُّد المُغَلِّ من البَذر، فهذا من أصح القياس.

وأيضًا فإنه يجوز أن يقفها، فينتفعَ الموقوف عليها بلبنها، وحق الواقف إنما هو في منفعة الموقوف مع بقاء عَيْنه.

وأيضًا فإنه يجوز أن يمنحها غيره مُدّة معلومة لأجل لبنها، وهي باقيةٌ على ملك المانح، فتجري منيحتها مَجْرى إعارتها، والعارية إباحةُ المنافع، فإذا كان اللبن يجري مجرى المنفعة في الوقف والعارية جرَى مجراها في الإجارة.

وأيضًا فإن الله سبحانه وتعالى قال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: ٦]، فسمى ما تأخُذه المُرْضعة في مقابلة اللبن أجرًا، ولم يُسَمّها ثمنًا.


(١) «والشوك» ساقطة من م. والمثبت من ح، ت.