للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وسبب ذلك: خلوّ القلب مما خُلق له من عبادة الله تعالى، التي تجمع محبته، وتعظيمه، والخضوع، والذلّ له، والوقوف مع أمره ونهيه [١٢٨ أ] ومحابّه ومساخطه، فإذا كان في القلب وجدَ حلاوة الإيمان وذَوْق طعمه، فأغناه ذلك عن محبة الأنداد وتألُّهها، وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه، ويتخذه إلهه، وهذا من تبديل الدِّين، وتغيير فِطْرة الله التي فطر عليها عباده.

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: ٣٠]، أي: نفسُ خلق الله لا تبديل له، فلا يخلق الخلق إلا على الفطرة، كما أن خلقه للأعضاء على السلامة من الشّقّ والقطع، ولا تبديل لنفس هذا الخلق، ولكن يقع التغيير في المخلوق بعد خلقه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل مولود يُولَدُ على الفطرة، فأبواه يُهَوّدانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجّسانه، كما تُنْتَجُ البيهمةُ بهيمةً جَمْعاءَ، هل تُحسّون فيها من جَدْعاء؟ حتى تكونوا أنتم تَجْدَعُونها» (١).

فالقلوب مفطورة على محبة إلهها وفاطرها وتألُّهه، فصرفُ ذلك التألُّه والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة.

ولما تغيرت فِطَرُ الناس بعث الله الرسل بصلاحها، وردِّها إلى حالتها التي خُلقت عليها، فمن استجاب لهم رجع إلى أصل الفطرة، ومن لم يستجب لهم استمرَّ على تغيير الفطرة وفسادها.


(١) أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨) عن أبي هريرة.