للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

أولا: على القول بأن النفقة غير الصدقات والزكاة؛ فوجه الاستنباط واضح كما تقدم، وهو أن مجيء من التبعيضية للتنبيه على ترك الإسراف.

ثانيا: على القول بأن النفقة هي الزكاة -بدلالة اقترانها بالصلاة (١) - فإن الاستنباط يصح؛ فإذا كان الله جعل في الزكاة حقا يسيرا، فمفهوم ذلك التنبيه على ترك الإسراف عموما.

ثالثا: على القول بأن النفقة هي صدقة التطوع؛ فيصح الاستنباط في حال دون حال؛ إذ في الأمر تفصيل. وللإنفاق تطوعا في سبيل الله خصوصيته، فيجوز في بعض الأحوال أن ينفق المرء جميع ماله في سبيل الله، ولا يكون ذلك تبذيرا؛ فإن الله أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، ولكن لكل مقام مقال.

قال الشنقيطي: ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة، وسد الخلة التي لا بد منها وذلك كقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: من الآية ٢١٩] المراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور … وقوله تعالى:

{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: من الآية ٢٩] فنهاه عن البخل بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} ونهاه عن الإسراف بقوله: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا … أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)} [الفرقان: ٦٧] فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالجود غير التبذير، والاقتصاد غير البخل. فالمنع في محل الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}. والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا وقد نهى الله عنه نبيه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} … فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)} [الحشر: من الآية ٩] فالظاهر في الجواب -والله تعالى أعلم- هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا، وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة، كنفقة الزوجات ونحوها، فتبرع بالإنفاق في غير واجب، وترك الفرض؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: وابدأ بمن تعول (٢). وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس، فينفق ماله، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك. وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقا من نفسه بالصبر، والتعفف، وعدم السؤال (٣).


(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١/ ص ٢٢٦، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ١/ ص ٣٦.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى، رقم: ١٣٦٠، ج ٢/ ص ٥١٨. وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن اليد السفلى هي الآخذة. رقم الحديث: ١٠٣٣، ج ٢/ ص ٧١٧.
(٣) انظر: أضواء البيان ج ١/ ص ٥١. بتصرف. وانظر قريبا منه قول الشيخ ابن عثيمين في تفسير سورة البقرة ج ١/ ص ٣٣.

<<  <   >  >>