للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

ووجه الاستنباط: أن الله وصف المؤمنين بصفات عالية هي: الإيمان، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، ثم ذكر حالهم بلفظ {يَرْجُونَ} أي يطمعون ويترقبون رحمة الله؛ إذ رحمته تفضل منه، وهم وإن كانوا عالي الرتبة، عظيمي الزلفة إلا أنهم يطمعون في رحمة الله، غير قاطعين بذلك، علماً منهم أن له أن يفعل ما يشاء؛ لأنه الملك الأعظم فلا كفء له، وهم غير قاطعين بموتهم محسنين، قاطعون بأنه سبحانه وتعالى لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم؛ فدل ذلك على أنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو أطاع أقصى طاعة. فجاءت الآية لتعليم العباد -ولو بلغوا من العبادة الغاية القصوى- أن يكونوا على الرجاء الممتزج بالخوف؛ لأمرين: أحدهما: لا يدري بما يختم له، والثاني: لئلا يتكل على عمله. (١). والذي دل على هذا المعنى مناسبة لفظ {يَرْجُونَ}.

والمعنى الذي استنبطه الشوكاني من هذه الآية دل عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: … {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)} [المؤمنون: ٦٠]. فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله في هذه الآية {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)} يا رسول الله هو الذي يسرق، ويزني، ويشرب الخمر، وهو يخاف الله؟ قال: لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق، وهو يخاف الله عز جل" (٢).

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لن ينجي أحدا منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا" (٣).


(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ٣/ ص ٤٩، ونظم الدرر ج ١/ ص ٤٠٧، وقطف الأزهار ج ١/ ص ٤٥٤.
(٢) أخرجه أحمد برقم: ٢٥٣٠٢، ج ٦/ ص ١٥٩. واللفظ له. وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: التوقي على العمل، رقم: ٤١٩٨، ج ٢/ ص ١٤٠٤، والترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: تفسير سورة المؤمنون، رقم الحديث: ٣١٧٥، ج ٥/ ص ٣٢٧، والحاكم في المستدرك برقم: ٣٤٨٦، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. انظر: ج ٢/ ص ٤٢٧.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، رقم الحديث: ٢٨١٦، ج ٤/ ص ٢١٦٩.

<<  <   >  >>