للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[استثناء النبي في إخباره أنه أتقى الخلق وأعرفهم بالله]

قال: [وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال: (يا رسول الله إني أُصبح جنباً وإني أريد الصيام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: وإني أُصبح جنباً وإني أريد الصيام فأغتسل ثم أُصبح من ذلك صائماً، فقال الرجل: إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه)] أي: بما أتقي من عذاب الله عز وجل، أو بمن أتقي أي: بالله عز وجل.

فالنبي عليه الصلاة والسلام رد على هذا الرجل الذي يقول: أنا أُصبح جنباً وإني أريد الصيام، فماذا أصنع؟ أي: يؤذن الفجر ويدخل وقت الصبح وأنا جنب، وإني أريد الصيام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لهذا السائل: وأنا يحدث لي مثل الذي يحدث معك، فأُصبح جنباً من جماع غير احتلام فأغتسل وأصلي الصبح، ثم أصوم ولا يمنعني هذا.

قال: يا رسول الله! إنك لست كهيئتنا، أنت رجل قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت خير الخلق، وأنت أول من ينشق عنه القبر، وأنت الشافع المشفع، وأنت وأنت وظل يعدد من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، أي: أنت في غنى عما نحن فيه.

وقصة الثلاثة الذين أتوا إلى بيته يسألونه عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالوها قالوا: إنما يلزمنا أن نجتهد في العبادة، أما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، أما نحن فنؤاخذ بذنوبنا، فنحن نحتاج إلى مزيد من الطاعة حتى تشفع لنا طاعتنا عند ربنا.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا كنتم تقولون إنني أول من تنشق عنه الأرض وقد غفر الله لي وكذا وكذا وظللتم تعددوا من خصائصي ومناقبي، كأنه أراد أن يقول لهم هذا، فإن الذي قد حباه الله تعالى بهذه الخصائص إنما يلزمه أن يكون أخشى الناس لله وأتقاهم له، وإن العبد إنما يعبد ربه على نحو خوفه ورجائه في الله عز وجل، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام هو أعلم الناس بالله فلا بد أنه أعلم الناس بما عنده من نار وبما عنده من جنة بما عنده من ثواب وبما عنده من عقاب، فالذي يعلم ما عند الله من خير وشر، من جنة ونار، من ثواب وعقاب أحق الناس بالعبادة، ولكن الفارق بين عبادة المذنب وعبادة غير المذنب أن عبادة غير المذنب إنما هي عبادة شاكر، أما عبادة المذنب فإنما هي عبادة مستغفر يرجو أن يغفر الله تعالى له ذنبه.

ولذلك قال: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه) والحديث أخرجه مسلم.