للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بذلك؛ لأنه لا يأثم إِلَّا بروايته ما يَعْلَمُه أو يَظُنُّه كَذِبًا، أمَّا ما لا يعلمه ولا يَظُنُّه .. فلا إِثْمَ عليهِ في روايته وَإنْ ظَنَّه غيرُه كَذِبًا أو عَلِمَه) اهـ (١)

وعبارةُ القرطبي هنا: ("يُرى" قيّدناه عن مشايخنا مَبْنِيًّا للفاعل وللمفعول، فَيَرَى بِفَتْحِ الياءِ بمعنى: يَعْلَمُ المتعدِّية لمفعولين، وأَنَّ سَدَّتْ مَسَدَّهما، وماضي يَرَى: رأى مهموزًا، وإِنما تَرَكَت العربُ هَمْزَةَ المضارعِ؛ لكثرة الاستعمال، وقد نَطَقُوا به على الأصل مهموزًا في قولهم:

أَلَمْ تَرَ مَا لاقَيتُ والدَّهْرُ أَعْصَرُ ... وَمَنْ يَتَمَنَّى العَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ

ورُبَّما تركوا هَمزةَ الماضي في قولهم:

صَاحِ هَلْ رَيْتَ أو سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ في الضَّرْعِ ما قَرَا في الحِلابِ؟

ويحتملُ ما في الحديث أن يكون بمعنى الرأي فيكون ظنًّا من قولهم: رأيتُ كذا؛ أي: ظَهَرَ لي، وعليهما: يكون المقصودُ بالذَّمِّ الذي في الحديث المُتَعَمِّدَ للكذب عِلْمًا أو ظَنًّا، وأمَّا "يُرى" بالضمّ: فهو مَبْنِيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، ومعناها: الظَّنُّ وَإنْ كان أصلُها مُعَدًّى بالهمزة مِنْ رأى، إِلَّا أَنَّ استعماله في الظنّ أكثرُ وأشهرُ.

ويفيد الحديثُ التحذيرَ عن أنْ يُحَدِّثَ أَحَدٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَّا بما تَحَقَّقَ صِدْقَه عِلْمًا أو ظَنًّا، إِلَّا أنْ يُحَدِّثَ ذلك على جهة إِظهارِ الكذب؛ فإِنه لا يتناوله الحديث) اهـ (٢).

وقال النوويُّ: (وأمَّا فِقْهُ الحديثِ .. فظاهرٌ، ففيه تغليظُ الكَذِب والتعرُّضِ له، وأَنَّ مَنْ غَلَبَ على ظَنِّه كَذِبُ ما يرويه فرواه .. كان كاذبًا، وكيف لا يَكون كاذبًا وهو مُخْبِرٌ بما لم يَكُنْ؟ ! ) اهـ (٣)

ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى سَنَدينِ لهذا الأثَرِ المشهورِ إِلى الصحابِيَّينِ، ثم


(١) "شرح مسلم" (١/ ٦٥)، وانظر "صيانة صحيح مسلم" (ص ١٢١ - ١٢٢).
(٢) "المفهم" (١/ ١١١ - ١١٢).
(٣) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٦٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>