للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

أَنَاةٌ. فَلَوْ أَمْضَينَاهُ عَلَيهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيهِمْ

ــ

(أناة) بفتح الهمزة وبتاء آخره أي مهلة وتأن وتدريج أي كان لهم فيه إيقاعه شيئًا فشيئًا أي طلقة طلقة فيتمكنوا من الرجعة إن أرادوها فزجرناهم عن ذلك فأبوا إلا التكرار ثلاث مرات وهم لا يعرفون التأكيد من التأسيس (فلو أمضيناه) أي فلو أنفذنا (عليهم) ما استعجلوا فيه وقضينا عليهم وقوع الثلاث حملًا لكل مرة وقولة على التأسيس لكان ذلك الإمضاء عليهم حسنًا جزاء لهم على عدم قبولهم نهينا لهم عن ذلك التكرار لأنا لا نعرف من أراد منهم التأسيس ممن أراد التأكيد، فجواب لو محذوف دل عليه السياق والتقدير: فلو أمضينا عليهم لما فعلوا ذلك الاستعجال، ويحتمل كون لو ها هنا للتمني فلا تحتاج إلى جواب، والمعنى عليه أي فليتنا أنفذنا عليهم ما استعجلوا فيه فهذا كان منه تمنيًا ثم أمضى وقضى عليهم ما تمناه من إيقاع الطلاق بكل قولة من المقالات الثلاث كما ذكره بقوله: (فأمضاه عليهم) أي فأمضى ونفذ عليهم عمر الثلاث حملًا للمقالات الثلاث على التأسيس يعني اعتبر الطلقات الثلاث في القضاء محرمة عليهم إلا بمحلل على سبيل التغليظ ولو نطق بها الرجل في مجلس واحد بنية التأكيد. وحديث ابن عباس هذا انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فقد أجاب عنه الجمهور بأجوبة مختلفة بسطها الحافظ في الفتح [٩/ ٣١٦ - ٣١٩] أحسنها عندي جوابان: الأول: أن هذا الحديث قد ورد في صورة خاصة وهي أن يكرر الرجل لفظ الطلاق بنية التأكيد لا بنية التأسيس كان يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق وكانوا أولًا على سلامة صدورهم يُقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم قضاء، وهذا الجواب ارتضاه القرطبي وقواه بقول عمر (إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة) وكذا قال النواوي: إن هذا أصح الأجوبة، والثاني: أن قوله ثلاثًا محمول على أن المراد بها لفظ ألبتة كما سيأتي في حديث ركانة وهو من رواية ابن عباس أيضًا وهو قوي، ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها ألبتة والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن ألبتة إذا أطلقت حُمل على الثلاث إلا أن يريد المطلق واحدة فيُقبل فكان بعض رواة الحديث حمل لفظ ألبتة على الثلاث لاشتهار التسوية بينهما فتح فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ ألبتة وكانوا

<<  <  ج: ص:  >  >>