للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وَجْه الدلالة: هذا الحديث صريح في وجوب الحج، والرجل هو ضِمَام بن ثَعْلَبَة، وقدومه على النبي كان سَنة خَمْس من الهجرة، وقد أَخَّر النبي الحج إلى سَنة عَشْر، فدل ذلك على أن الحج على التراخي.

ونوقش بأن قدوم ضِمَام كان سَنة تِسع؛ لأن آية وجوب الحج كانت في العام التاسع ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].

ولِأَنَّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ عَامَ الْوُفُودِ، وَفِيهِ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَالْجِزْيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ.

وأما المعقول، فما قاله النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَفَعَلَهُ، يُسَمَّى مُؤَدِّيًا لِلْحَجِّ لَا قَاضِيًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (١).

والراجح: أن الحج يجب على الفور؛ لأن آية وجوب الحج كانت في العام التاسع.

وقد أَخَّر النبي الحج إلى السَّنة العاشرة لأسباب ذَكَرها ابن قدامة، فقال: وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ سَنَةَ تِسْعٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، مِنْ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، أَوْ كَرِهَ رُؤْيَةَ الْمُشْرِكِينَ عُرَاةً حَوْلَ الْبَيْتِ، فَأَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُنَادِي: أَنْ «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ». وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَّرَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِتَكُونَ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتَدَارَ فِيهَا الزَّمَانُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَيُصَادِفَ وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ، وَيُكْمِلَ اللَّهُ دِينَهُ (٢).

* * *


(١) «المجموع» (٧/ ١٠٦).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٧). وسُئِل ابن تيمية: عَنْ رَجُلٍ خَرَجَ حَاجًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ، فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنْ كَانَ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ حِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، مَاتَ غَيْرَ عَاصٍ. وَإِنْ فَرَّطَ بَعْدَ الْوُجُوبِ مَاتَ عَاصِيًا، وَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ. وَإِنْ كَانَ قَدْ خَلَّفَ مَالًا، فَالنَّفَقَةُ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبَةٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢١).

<<  <   >  >>