للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قال النوويُّ: (وقد رواه أبو داود في "سننه" (١) أيضًا مرسلًا ومتصلًا، فرواه مرسلًا عن حفص بن عُمر النَّمَري عن شعبة، ورواه متّصلًا من رواية علي بن حفص (٢)، وإِذا ثَبَتَ أنه رُوي متَّصلًا ومُرْسلًا .. فالعملُ على أنه متَّصل، هذا هو الصحيح الذي قاله الفقهاءُ وأصحابُ الأُصولِ وجماعةٌ من أهل الحديث، ولا يَضُرُّ كونُ الأكثرينَ رَوَوْه مرسَلًا؛ فإِنَّ الوَصْلَ زيادةٌ من ثِقَةٍ وهي مقبولة) اهـ (٣).

وأمَّا بَحْثُ المتن: فقد قال القرطبي: (الباءُ في قوله: "بالمَرْءِ" زائدةٌ هنا في المفعول، وفاعلُ "كَفَى": "أنْ يُحَدِّثَ"، وقد تُزَادُ هذه الباءُ في فاعل "كَفَى" كما في قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} "وكَذِبًا" "وشهيدًا": منصوبان على التمييز.

ومعنى الحديثِ: أَنَّ مَنْ حَدَّثَ بكُل ما سَمعَ .. حَصَلَ لَهُ الحَظُّ الكافي من الكذب؛ فإِنَّ الإنسانَ يَسْمَعُ الغثَّ والسَّمِينَ، والصحيحَ والسَّقِيمَ، فإِذا حَدَّثَ بكُلِّ ذلك .. حَدَّثَ بالسَّقِيم وبالكَذِب، ثم يُحْمَل عنه فيكذبُ في نفسه أو يُكَذَّبُ بسببه، ولهذا: أشارَ مالكٌ بقوله: "ليس يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بكُلِّ مَا سَمِعَ، ولا يكون إِمامًا أبدًا وهو يُحَدِّثُ بكُلِّ ما سَمعَ" أي: إِذا وُجدَ الكذبُ في روايته .. لم يُوثق بحديثه، وكان ذلك جرحَةً فيه، فلا يصلح ليقتدي بهَ أحدٌ ولو كان عالمًا، فلو بَيَّنَ الصحيح من السقيم، والصادق من الكاذب .. سَلِمَ من ذلك، وتَفَصَّى عن عهدة ما يجبُ عليه من النصيحة الدينية) اهـ (٤).

وقال السنوسي: (وإِنما كان الحديثُ بكل ما سَمعَ كذِبًا؛ لأنه في العادة يكون فيه الصَّدْقُ والكَذِبُ، وما يتّفق نادرًا فيمَنْ حَفِظَ فلم يسمع إِلا الصِّدْقَ فغيرُ مُرادٍ


(١) (٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦) كتاب الأدب (٨٨ - باب في التشديد في الكذب) حديث رقم (٤٩٩٣).
(٢) قال أبو داود: (ولم يُسنده إلا هذا الشيخ) يعني علي بن حفص المدائني.
(٣) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٧٤).
(٤) "المفهم" (١/ ١١٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>