للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

تغاديه وتراوحه، وقيل: بل كان يتغذى من اليقطينة، فيجد منها ألوان الطعام وأنواع شهواته.

والحكمة في إنبات الله اليقطينة عليه، أن من خاصية اليقطين أن لا يقربه الذباب، ومن خواصه أن ماء ورقه إذا رش به مكان لا يقربه ذباب أيضا. فأقام عليه الصلاة والسلام تحتها إلى أن صح جسده، لأن ورق الفرع أنفع شيء لمن يسلخ جلده عن جسده، كيونس عليه السلام.

وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يوما نائما، فأيبس الله تعالى تلك اليقطينة. وقيل:

أرسل الله تعالى عليها الأرضة، فقطعت عروقها فانتبه عليه السلام فوجد حر الشمس، فعز عليه شأنها وجزع، فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس جزعت ليبس يقطينة، ولم تجزع لهلاك مائة ألف أو يزيدون، تابوا فتيب عليهم. وما أحسن قول «١» الجوهري، صاحب الصحاح:

فها أنا يونس في بطن حوت ... بنيسابور في ظلّ الغمام

فبيتي والفؤاد ويوم دجن ... ظلام في ظلام في ظلام

وقول «٢» الآخر:

مغيث أيوب والكافي لذي النون ... ينيلني فرجا بالكاف والنون

وقول آخر في المعنى:

ربما عالج القوافي رجال ... في القوافي فتلتوي وتلين

طاوعتهم عين وعين وعين ... وعصتهم نون ونون ونون

قال الشيخ جمال الدين بن الحاجب: معنى قوله: عين وعين وعين، يعني به نحو يد وغد ودد، لأنها عينات مطاوعات في القوافي، مرفوعة كانت أو منصوبة أو مجرورة، لأن وزن يدفع ووزن غدفع ووزن ددفع، وقوله: وعصتهم نون ونون ونون: الحوت يسمى نونا، والدواة تسمى نونا والنون الذي هو الحرف وكلها نونات غير مطاوعة في القوافي، إذ لا يلتئم واحد منها مع الآخر.

[فائدة]

: روى الدينوري في المجالسة، وأبو عمر بن عبد البر في التمهيد، عن أبي العباس محمد بن اسحاق السراج، قال: حدثنا هشيم عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كتب صاحب الروم إلى معاوية رضي الله تعالى عنه يسأله عن أفضل الكلام ما هو؟ وعن الثاني والثالث والرابع والخامس، وكتب إليه يسأله عن أكرم الخلق على الله، وعن أكرم الإماء على الله، وعن أربعة من الخلق، فيهم الروح لم يرتكضوا في رحم، ويسأله عن قبر مشى بصاحبه، وعن المجرة وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمس، لم تطلع عليه قبل ذلك، ولم تطلع عليه بعده؟

فلما قرأ معاوية الكتاب، قال: أخزاه الله تعالى، وما علمي بما ههنا! فقيل له: اكتب إلى ابن عباس فكتب إليه بذلك، فكتب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:

<<  <  ج: ص:  >  >>