وضع الصيغ العمومية في أصل الاستعمال العربي أو الشرعي، وما ذكره الأصوليون يرجع إلى بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص، فنحن بينا أنه بيان لوضع اللفظ، وهم قالوا إنه بيان لخروج اللفظ عن وضعه، وبينهما فرق. فالتفسير الواقع هنا نظير بيان الذي سيق عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه، والذي للأصوليين نظير البيان الذي سيق عقيب الحقيقة ليبين أن المراد المجاز؛ كقولك رأيت أسد يفترس الأبطال.
فإن قيل أفيكون تأصيل أهل الأصول كله باطلا، أم لا؟ فإن كان باطلا لزم أن يكون ما أجمعوا عليه من ذلك خطأ، والأمة لا تجتمع على الخطأ. وإن كان صوابا وهو الذي يقتضيه إجماعهم فكل ما يعارضه خطأ. فإذا كل ما تقدم بيانه خطأ.
فالجواب أن إجماعهم أولا غير ثابت على شرطه، ولو سلم أنه ثابت لم يلزم منه إبطال ما تقدم؛ لأنهم إنما اعتبروا صيغ العموم بحسب ما تدل عليه في الوضع الإفرادي، ولم يعتبروا حالة الوضع الاستعمالي، حتى إذا أخذوا في الاستدلال على الأحكام رجعوا إلى اعتباره: كل على اعتبار رآه، أو تأويل ارتضاه. فالذي تقدم بيانه مستنبط من اعتبارهم الصيغ في الاستعمال، بلا خلاف بيننا وبينهم، إلا ما يفهم عنهم من لا يحيط علما بمقاصدهم، ولا يجود محصول كلامهم (١). وبالله التوفيق.
"فصل"
"و" اعلم بأن "هذا الأصل" الذي قرر وبين هنا "فهمه" وإدراك معناه "مهم" يجب الاعتناء به "إذ ينبني" ويؤسس "عليه علم جم" أي كثير، فقد انبنت عليه الأحكام:
منها: أنهم اختلفوا في العام إذا خص يبقى حجة أم لا؟ وهي من المسائل الخطيرة في الدين، فإن الخلاف فيها في ظاهر الأمر شنيع؛ لأن غالب الأدلة الشرعية وعمدتها هي العمومات، فإذا عدت من المسائل المختلف فيها بناء على ما قالوه أيضا من أن جميع العمومات أو غالبها مخصص، صار معظم الشريعة مختلفا فيها هل هو حجة أم لا؟ ومثل ذلك يلقى في المطلقات فانظر فيه. فإذا عرضت المسألة على هذا الأصل المذكور لم يبق