للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عَلَى الطِّينِ ولم يقل: اطبخ لي الآجر واتخذه، لأنه أوّل من عمل الآجر، فهو يعلمه الصنعة، ولأن هذه العبارة أحسن طباقا لفصاحة القرآن وعلوّ طبقته وأشبه بكلام الجبابرة. وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين منادى باسمه بيا فى وسط الكلام: دليل التعظيم «١» والتجبر. وعن عمر رضى الله عنه أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر فقال:

ما علمت أن أحدا بنى بالآجر غير فرعون. والطلوع والإطلاع: الصعود. يقال: طلع الجبل وأطلع: بمعنى.

[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]

وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)

الاستكبار بالحق: إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر على الحقيقة، أى: المتبالغ في كبرياء الشأن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى عن ربه: «الكبرياء ردائي والعظمة إزارى، فمن نازعنى واحدا منهما ألقيته في النار» «٢» . وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق يُرْجَعُونَ بالضم والفتح فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ من الكلام الفخم الذي دل به على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه. شبههم استحقارا لهم واستقلالا لعددهم «٣» ، وإن كانوا الكثر الكثير والجم الغفير، بحصيات أخذهنّ آخذ في كفه فطرحهنّ في البحر. ونحو ذلك قوله وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتداره، وأن كل مقدور وإن عظم وجل، فهو مستصغر إلى جنب قدرته.

[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤١ الى ٤٢]

وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)

فإن قلت: ما معنى قوله وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ؟ قلت: معناه: ودعوناهم أئمة


(١) . قوله «دليل التعظيم» لعله التعظيم. (ع)
(٢) . أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة وأبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه.
(٣) . عاد كلامه. قال: «وقوله تعالى فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ مقابلة لاستكباره بفعل عبر عنه بما صورته أخذ حصيات ممتهنات، ثم نبذها، أى: طرحها في اليم بهوان، فذلك تمثيل لاستهانته به وإهلاكه بهذا النوع من الهلاك. والله أعلم.