للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ويتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة، حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها وأم بمعنى بل وهمزة التقرير، للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر. وعن قتادة: إذا والله يجدوا في القرآن زاجرا عن معصية الله لو تدبروه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا. فإن قلت: لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟ قلت: أما التنكير ففيه وجهان: أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك.

أو يراد على بعض القلوب: وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة الأقفال، فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح. وقرئ: إقفالها، على المصدر.

[سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]

إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)

الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ جملة من مبتدإ وخبر وقعت خبرا لإنّ، كقولك: إنّ زيدا عمرو مرّ به. سوّل لهم: سهل لهم ركوب العظائم، من السول وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا «١» وَأَمْلى لَهُمْ ومدّ لهم في الآمال والأمانى. وقرئ وأملى لهم، يعنى: إنّ الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم، كقوله تعالى أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ وقرئ: وأملى لهم على البناء للمفعول، أى: أمهلوا ومدّ في عمرهم. وقرئ: سوّل لهم «٢» ، ومعناه: كيد الشيطان زين لهم على تقدير حذف المضاف. فإن قلت: من هؤلاء؟ قلت: اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين لهم الهدى، وهو نعته في التوراة. وقيل: هم المنافقون.

الذين قالوا القائلون: اليهود. والذين كرهوا ما نزل الله: المنافقون. وقيل عكسه، وأنه قول المنافقين لقريظة والنضير: لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم. وقيل بَعْضِ الْأَمْرِ: التكذيب برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بلا إله إلا الله، أو ترك القتال معه. وقيل: هو قول أحد الفريقين


(١) . قال محمود: «هو مشتق من السول وهو الاسترخاء، أى: سهل لهم ركوب العظائم. قال: وقد أشقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا، قلت: لأن السؤل مهموز، وسول معتل.
(٢) . قوله «وقرئ سول لهم» لعله بالبناء للمجهول. (ع)