للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حيث وجدتموهم في حل أو حرم. والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة. ومنه: رجل ثقف، سريع الأخذ لأقرانه. قال:

فَإمَّا تَثْقَفُونِى فَاقْتُلُونِى … فَمَنْ أثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُودِ «١»

مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أى من مكة وقد فعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أى المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشد عليه من القتل. وقيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت، جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت. ومنه قول القائل:

لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعاً … عَلى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بحَدِّ فِرَاقِ «٢»

وقيل (الْفِتْنَةُ) عذاب الآخرة (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) وقيل: الشرك أعظم من القتل في الحرم، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون به المسلمين، فقيل: والشرك الذي هم عليه أشد وأعظم مما يستعظمونه. ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم بصدّكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم. وقرئ: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم: جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم. يقال: قتلتنا بنو فلان. وقال: فإن تقتلونا نقتلكم فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك والقتال، كقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) .

حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أى شرك وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ خالصا ليس للشيطان فيه نصيب فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ فلا تعدوا على المنتهين لأنّ مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله: (إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) موضع على المنتهين. أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين، سمى جزاء الظالمين ظلما للمشاكلة، كقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) أو أريد أنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم.

[[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٤]]

الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)


(١) . «إما» هي «أن» الشرطية أدغمت نونها في «ما» الزائدة للتنصيص على التعميم. والثقف:
القبض والضبط. ومنه «الثقاف» وهو الآلة التي تعض الرماح وتقبضها لتقويمها. يقول: إن تدركونى في أى وقت وتغلبوني فاقتلوني، فان من أدركنى منكم ليس مجابا أو منتهيا إلى خلود، بل لا بد من قتله. وهذا من الاشاحة والجد في القتال، وقطع أطماع الصلح من البال.
(٢) . يقول: تاللَّه إن القتل بالسيف أهون على النفس وقوعا من القتل بالفراق. وشبهه بالسيف على طريق المكنية، وإضافة الحد إليه تخييل، وحسن الاستعارة مشاكلته لما قبله.