للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

سيئة بإنّ وتنكير السيئة؟ قلت: لأنّ جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه. وأمّا السيئة فلا تقع إلا في الندرة، ولا يقع إلا شيء منها. ومنه قول بعضهم: قد عددت أيام البلاء، فهل عددت أيام الرخاء طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أى سبب خيرهم وشرهم عند الله، وهو حكمه ومشيئته، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة والسيئة، وليس شؤم أحد ولا يمنه بسبب فيه، كقوله تعالى قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ويجوز أن يكون معناه: ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجرى عليهم ما يسوءهم لأجله، ويعاقبون له بعد موتهم بما وعدهم الله في قوله سبحانه النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها الآية. ولا طائر أشأم من هذا. وقرأ الحسن: إنما طيركم عند الله، وهو اسم لجمع طائر غير تكسير، ونظيره: التجر، والركب. وعند أبى الحسن:

هو تكسير.

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٢ الى ١٣٣]

وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣)

مَهْما هي «ما» المضمنة معنى الجزاء «١» ، ضمت إليها «ما» المزيدة المؤكدة للجزاء في


(١) . قال محمود: «مهما هي «ما» المضمنة معنى الجزاء ضمت إليها «ما» المزيدة المؤكدة للجزاء … الخ» قال أحمد:
والذي عده أولا من كلام سيبويه، وسنذكره: قال سيبويه: وسألت الخليل عن مهما فقال: هي «ما» أدخلت معها «ما» ، بلغو بمنزلتها مع متى، إذا قلت: متى ما تأتنى حدثتك. انتهى كلام سيبويه. وكأن هذا القائل- والله أعلم- اغتر بتشبيه الخليل لها بمتى ما، فظنها في معناها. وإنما شبه الخليل بالثانية من مهما في لحاقها زائدة مؤكدة للأولى بما اللاحقة لمتى. عاد كلام سيبويه قال: ولكنهم استقبحوا تكرير لفظ واحد، فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى انتهى نقله عن الخليل. قال سيبويه: ويجوز أن تكون كذا ضمت اليها ما انتهى كلامه. قال أحمد: ومعنى تشبيه سيبويه لها بإذما أن الجزاء بجملة الكلمة لا بالجزء الأول منها خاصة وإلا لكان عين مذهب الخليل. والذي يحقق ذلك أن سيبويه قال أول هذا الباب: وأما «حيث» و «إذ» فلا يجازى بهما حتى بضم اليهما ما، فتصير إذ مع ما بمنزلة إنما وكأنما، وليست ما فيهما بلغو، ولكن كل واحدة منهما مع ما بمنزلة حرف واحد، فانظر قوله: وليست ما فيهما بلغو، يعنى ليست زائدة مؤكدة، ولكن لها حظ في اقتضاء الجزاء حتى لا يفيده إلا اجتماع جزئى الكلمة ويبقى وراء ذلك نظر في أن سيبويه هل أراد أن «ما» ضمت إلى «مه» التي هي الصوت، أو إلى «ما» الجزائية.
والظاهر من مراده أن انضمامها إلى الصوت، لأنها لو كانت منضمة إلى «ما» الجزائية، لكانت مستقلة بافادة الجزاء قبل انضمام «ما» إليها، ولا تكون مثل إذا وحيث، ولا يكون تنظير سيبويه مطابقا. وهذا الذي فهمه ابن طاهر وتبعه فيه تلميذه ابن خروف. وعزا ابن خروف هذا المذهب إلى سيبويه، ورد قول ابن بابشاذ أن هذا المذهب للخليل خاصة، وقد تواطأ ابن بابشاذ والزمخشري على نفى هذا المذهب عن سيبويه، وإعزائه إلى غيره.
وأظهر ما قوى به مذهب الخليل- والله أعلم- أن هذه الكلمة استعملت في الاستفهام حسب استعمالها في الجزاء وأنشدوا:
مهما لي الليلة مهما ليه … أودى بنعلي وسر ماليه
أراد: مالى الليلة، ولا إشكال هاهنا أنها «ما» الاستفهامية كررت تأكيداً، كما يقولون: لا لا، ونعم نعم، ثم استكره تكرار اللفظ بعينه، فقلبت ألف الأولى هاء. وقد جاء قلب الاستفهامية وإن لم يكن تكرار، فهو معه أجدر. وإذا وضح أن «مهما» الواقعة في الاستفهام أصلها «ما» مكررة، كان ذلك أوضح دليل على أن الواقعة في الجزاء كذلك، والاستشهاد بالنظائر أمين حجج العربية، والله أعلم. وأما رد الزمخشري على من زعم أنها بمعنى «متى ما» فرد صحيح، والآية أصدق شاهد على رده، فان الضمير المجرور فيها عائد إلى مهما حتما، وقد اتصل به مفسراً له قوله مِنْ آيَةٍ دل على أن الضمير واقع على الآية، فلزم وقوع «مهما» عليها ضرورة إيجاد المرجع في المضمر ومظهره، فذهاب هذا القائل إلى إيقاع «مهما» على الوقت زاعما أنها بمعنى «متى ما» ذهاب عن الصواب.
وعذر الزمخشري واضح في الرد على تسجيله وإغلاظ النكير عليه، وتفويق سهام التشنيع إليه. فتأمل هذا الفصل، ففيه إنارة للسبيل، وشفاء للغليل، والله الموفق.