للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كَانُوا لذَلِكَ يحزنون وكَانَ هؤلاء النَّاس يحبون رسولهم فوق محبتهم لأموالهم وأنفسهم وكَانَ حب أحدهن لأخيه أعظم من حبه لأثاثه وماله يحب له ما يحب لنفسه ولذَلِكَ كَانُوا في كُلّ المنافع، لا يعرفون إِلا خلق الإيثار، كما حكى الله عنهم بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ سل التاريخ عَلَيْهمْ يخبر عنهم أخبارًا ما سمعت قط بمثلها يخبرك أنهم كَانُوا سادة الدُّنْيَا يعترف بذَلِكَ الْعَدُوّ قبل الصديق اعتراف إقرار وإذعان يخبرك أنهم كَانُوا إذا اتجهوا لغزو جهة ينهزم أهلها وبينهم وبينهم مسافة عظبمة وكيف لا يعزهم ربهم وقُلُوبهمْ كانت وقفًا على حبه وحب رسوله ? وحب كُلّ ما يرضيه من مبار، هؤلاء كَانُوا عبيد الله عبودية ما رأت الدُّنْيَا عبودية مثلها في سائر العبيد عدا الرسل الكرام لذَلِكَ كَانُوا يحنون لطاعته حنينًا لا ينقضي عجبه وَهُوَ مخلص وشديدٌ كَانُوا لا يشبعون من العبادة بالنَّهَارَ فيستقبلون الليل بعزائمهم بعثتها همم عاليةٌ، اتكل ولا تمل من العبادة، بل هِيَ في العبادة كالسمك في البحر، والليل على ذَلِكَ شهيد ومن الَّذِي يَقُولُ إن الدُّنْيَا والآخِرَة هؤلاء الَّذِينَ هم خَيْرةُ الله من خلقه هم سلفنا الصالح، فينبغي أن نقفوا آثارهم، ونكون على مثل ما كَانُوا عَلَيْهِ من المحبة الفائقة والطاعة الفريدة لمولانَا.

قال بَعْضهمْ يصف السَّلَف:

مُسْتَوْفِزِينَ عَلَى رَحْلٍ كَأَنَّهُمْ ... رَكْبٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَمْضُوا وَيَنْتَقِلُوا

عَفَّتْ جَوَارِحُهُمْ عَنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ ... فَالصِّدْقُ مَذْهَبُهُمْ وَالْخَوْفُ وَالْوَجَلُ

آخر: ... تَنَعَّمَ قَوْمٌ بِالْعِبَادَةِ وَالتُّقَى ... أَلَذَّ النَّعِيمِ لا اللَّذَاذَةَ فِي الْخَمْرِ

فَقَرَّتْ بِهِ طُولَ الْحَيَاةِ عُيُونُهُمُ ... وَكَانَتْ لَهُمْ زَادًا إِلَى الْقَبْرِ

<<  <  ج: ص:  >  >>