للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الترجيح]

إن النفس تميل إلى ترجيح قول الجمهور، بأن للَّه تعالى في كل مسألة حكمًا معينًا عنده، وأن المجتهد يبحث في الأدلة والأمارات ليجتهد، ويقصد إصابة الحق، فإن أصابه فهو المصيب، وله أجران، وهذا في علم اللَّه تعالى، وإن أخطأه فهو مخطئ، وله ثواب وأجر واحد.

ولكن الناظر في أدلة الفريقين يرى أن الاختلاف لفظي واصطلاحي، ويمكن التوفيق بين الرأيين، فقول الجمهور يحمل على الناحية النظرية بأن حكم اللَّه تعالى واحد في المسألة، ولا يمكن أن يكون متعددًا، ولكن لا يمكن إدراكه ومعرفته حقيقة ويقينًا، وأن أحد المجتهدين مصيب -نظريًّا وغيبيًّا عند اللَّه تعالى- وله أجران، والآخر مخطئ -نظريًّا وغيبيًّا عند اللَّه تعالى- وله أجر بالنص الصحيح، ويحمل قول المصوّبة على أن الحق يتعدد عمليًّا باعتبار أن كل مجتهد مأمور بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، وهو يعتقد أن ذلك حكم اللَّه تعالى، مع الاختلاف بين المجتهدين، فيتعدد الحق الذي علمه المجتهدون ومن تبعهم أو قلدهم.

ولذلك اتفق العلماء على أن الاجتهادات الفقهية القائمة على الأدلة الشرعية منسوبة إلى الشريعة، مع اختلافها من جهة، وقربها أو بعدها من الصواب ومطابقة مقاصد الشريعة من جهة ثانية، وكلّها تعتبر من الفقه الإسلامي الذي نتعلمه، ونستفيد منه، ونختار ما هو الأسد دليلًا، والأقرب مصلحة.

ولذلك قلت: إنها مسألة نظرية، وإنها غيبية، فلا يدري أحد ما هو الحق المطلق الوحيد عند اللَّه تعالى، ولم يكلف الناس بذلك أصلًا، لأنه تكليف بما لا يطاق، ومن سعة الشريعة وسماحتها أن فتحت باب الاجتهاد، وخولت المجتهدين البحث أولا، ثم العمل بما وصل إليه اجتهادهم ثانيًا، ثم الإفتاء به للناس ثالثًا.


= أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ١٠٩٦)، أصول الأحكام ص ٣٧٢، الحاوي (٢٠/ ١٩١)، علم أصول الفقه، خلاف ص ٢٢٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>