للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[قلب الحقائق في هذه الوسائل]

إن الملاحَظ في هذا الشأن أن أناساً يطلقون العنان لأخْيِلَتِهم في تلفيق التُّهَم، وتفسير الأحداث، وتأويل الألفاظ، لا يُحسون حرجاً في إدارة أحاديث مفتراة على ألسنة خصومهم وأصدقائهم على حدٍ سواء، يتندرون ويسخرون، وكم أدى التلهِّي بمثل هذا إلى عداواتٍ وأضرار، وفتنٍ وأحزان، بل إلى مصارع السوء!

إن الحريَّ بأصحاب القلوب الوجلة من أصحاب المواقع والصفحات في شبكات المعلومات وروَّادِها، وبأصحاب القنوات والإذاعات؛ في ندواتها وبرامجها ومشاهديها، وبأصحاب الهواتف؛ في رسائلها ومهاتفاتها، ورجال الصحافة؛ في كُتَّابها ومحلليها حريٌّ بنا وبهم جميعاً -حفظنا الله وإياهم من كل سوء ومكروه- حريٌّ بالجميع تذكر قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {رأيت الليلة رجلين أتياني فقالا لي: الذي رأيتَه يشرشر شدقه هو الرجل يَكذب الكذبة فتُحْمَل عنه حتى تبلغ الآفاق} فيُصْنع به هكذا إلى يوم القيامة.

وكم يدرك أبناء هذا الوقت من معاني الآفاق وسعتها ما لم يتجلَّ تفسيره إلا في هذا الوقت!

ثم ناهيكم برجل الإعلام الذي ينشر على الألوف بل الملايين خبراً باطلاً، والسياسي الذي يُعطي الناس صوراً مقلوبةً أو مزيفةً في قضايا الأمة، ومشكلاتها، ومسائلها، وصاحب الهوى من ذوي الرأي والفكر الذي يحسن تسويق التهم بأساليب مباشِرة وغير مباشِرة، وكلما اتسع نطاق الضرر إثر كذبة رائجة، أو إشاعة سارية، أو تحليلٍ أفَّاك كان الوزر أعظم، والخطر على الأمة ورجالها أشد.

وفي الحديث الصحيح: {يكون في آخر أمتي أناسٌ دجالون كذابون، يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم! لا يضلونكم ولا يفتنونكم}.

أيها المسلمون: إن وسائل الاتصال هذه تجسد صورة المستخدِم، وتظهر حسن الأدب وضده، ورقة النفس وغِلَظها، وسلامة القلب وظلامته، وقوة الإيمان وضعفه، ولطف التعامل وخشونته في أدبٍ من الكلام والاستئذان، وحسن الظن، وحب الخير، وسلامة الطوية، ورعاية الأمانة، وتقدير المصالح والمفاسد.

أمة الإسلام: وإن مما يوصَى به في هذا المقام ألاَّ تُعطَى العامةُ فوق ما لها من الحقوق، فليس للجماهير أن تتحكَّم في تقرير الحق، أو تحبيب الفضيلة، بل تؤخذ الحقائق والفضائل من ينابيعها، دون مبالاةٍ بالجاهلين بها أو الخارجين عليها، ولو كانوا بالآلاف أو بالملايين.