للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أهمية المراجعة والاعتراف بالأخطاء]

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، أحمده سبحانه وأشكره، ليس لفضله منتهى، ولا لإحسانه حد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغاماً لمن كفر به وجحد، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بالفضائل تشرف، وبالكمالات انفرد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، كانوا للدين أعظم مستند، والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد:

فإن من صعاب الأمور قيادة الأمم أعقاب الهزائم، وإحياء الأمل بعد الانكسارات، ولكن الرجال يستسهلون الصعب، ويصابرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات.

نعم.

إن الأمة الحية اليقظة لا تكف عن مراجعة أمرها، وقياس أدائها في أصولها وأساليبها، كما لا تمل البحث عن المعوقات والحلول.

إن الأمة بحاجة إلى امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء، والتقصير في مسيرتها، وهي بحاجة إلى التفريق الدقيق بين الأعراض والأمراض، حتى لا تعالج المظاهر والأعراف، وتهمل الحقائق والأدوار.

لقد كشفت الأحداث المتوالية على الأمة اضطراباً في الفهم، واهتزازاً في قراءات الأحداث، واستسلام كثير للتضليل الإعلامي الذي يدير آلته العدو، مما أثار اللبس، وأشاع الشبهات، فأنتج -مع الأسف- استسلاماً في بعض المواطن لأهواء الأقوياء، ولضغوطٍ إعلامية على صوتها.

أيها المسلمون: الإصلاح يبدأ بالنفس، وليس بضجيج الإعلام، ولا هتاف الجماهير، ولا اندفاع الجمهور: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:١١].

إن الإصلاح يكمن في صلاح القلوب، وارتباطها بعلام الغيوب.

خضوعٌ تامٌ لله الواحد القهار، عبادةً وتذللاً، وانقياداً وتسليماً.

إن أهل الإسلام -وهم يعيشون أيام هذا الشهر المبارك- أولى ما يكونون في التوجه نحو الإصلاح، وأولى الأولويات البدء بإصلاح النفس، فلتكن -يا عباد الله- هذه الأيام المباركة مواقف صدق، ولا سيما هذه العشر الأخيرة، إنها من أرجى الأوقات، وأحرى ما يؤمل المسلم من خيرٍ وفضلٍ وصلاحٍ وإصلاح، وإن لكم في نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم لأسوة حسنة؛ فقد كان يخلط العشرين بصلاة وصوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر، وحسبها فضلاً ما يرجى فيها من ليلة القدر: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:٢ - ٣] {من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} حديثٌ مخرج في الصحيحين.

أيها المسلمون: إن شهركم قرب رحيله، وأزف تحويله، وقوضت خيامه، فبادروا بالتوجه، واجتهدوا في حسن الختام، ودعوا شهركم بالتوبة إلى الله، والإنابة إليه: {وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون} ومن خير أعمالكم: إخراج زكاة الفطر: فهي طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، فأخرجوها رحمكم الله طيبة بها أنفسكم.

عباد الله: هذا شهركم قد أذن بالرحيل، وفي بقيته للعابدين الجادين مستمتع، فهل من قلبٍ يخشع، وعينٍ تدمع، وعملٍ صالح يرفع؟

ويا ويح قلوبٍ خراب بلقع، تراكمت عليها الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع!!

ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمدٍ رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب:٥٦].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة أعداء الملة والدين، وانصر اللهم عبادك المؤمنين.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويهدى فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير.

اللهم اجعلنا ممن صام هذا الشهر وقامه إيماناً واحتسابا، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر، واكتب لنا فيها عظيم الثواب، وجزيل الأجر يا رب العالمين.

اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في كل مكان، يا رب العالمين! اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم سدد سهامهم، وآراءهم، واجمع كلمتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.

اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يعجزونك، اللهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إن بالبلاد والعباد من البلاء واللأواء ما لا يكشفه إلا أنت، اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.