للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

به جسمًا ينتقلُ من محَلٍّ إلى محَلٍّ ويزولُ عن محلٍّ، وليس المشبَّهُ كذلك؛ فهذا الفرقُ يعلمُه المستمعُ من غيرِ الْتِباسٍ.

ثم ختَمه بتحقيقِ ما بيَّنه فيه من عدلِه وإحسانِه فقال: «إنما هي أعمالُكم أُحْصيها لكم ثم أوفِّيكم إيَّاها، فمَن وجد خيرًا فليَحْمَدِ اللهَ، ومَن وجد غيرَ ذلك؛ فلا يلومنَّ إلا نفسَه».

فبيَّن أنه محسِن إلى عبادِه في الجزاءِ على أعمالِهم إحسانًا يستحقُّ به الحمدَ؛ لأنه هو المنعِمُ بالأمرِ بها والإرشادِ إليها والإعانةِ عليها، ثم إحصائِها، ثم توفيةِ جزائِها، فكلُّ ذلك فضلٌ منه وإحسانٌ، فكلُّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلُّ نِقْمةٍ منه عدلٌ، وإن كان أوجب ذلك على نفسِه؛ فليس هو كوجوبِ حقوقِ الناسِ بعضِهم على بعضٍ؛ لكونِ إحسانِ الناسِ بعضهم إلى بعضٍ بحقِّ المعاوضةِ ورجاءِ المنفعةِ، وهو قد بيَّن عدمَ ذلك في حقِّه، فليس لأحدٍ من جهةِ نفسِه عليه حقٌّ، بل هو الذي أحقَّ الحقَّ على نفسِه بكلماتِه؛ فهو المحسنُ بالإحسانِ، وبإحقاقِه وكتابتِه على نفسِه، فهو محسنٌ إحسانًا مع إحسانٍ.

ثم بيَّن أنه عادلٌ في الجزاءِ على السيئاتِ فقال: «ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه» كما تقدم: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.

وهذه نكتٌ تُنبِّهُ الفاضلَ على ما في الحقائقِ مِن الجوامعِ والفوارقِ التي تفصِلُ بينَ الحقِّ والباطلِ في هذه المضايقِ، واللهُ ينفعُنا وسائرَ إخوانِنا المؤمنين بما علِمْناه، ويعلِّمُنا ما ينفعُنا، ويزيدُنا علمًا، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، وعليه التُّكْلانُ.

<<  <  ج: ص:  >  >>