للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[فساد نظريات التزكية المستمدة من غير الوحي]

ومنهج التزكية ليس متروكاً لعلماء الكلام ولا للفلاسفة ولا لأصحاب المواجيد، ولا لنظريات علماء النفس ولا للمجاهدات البوذية، وإن كثيراً ممن كتبوا في أمور التربية من علماء النفس أتوا بنظريات متضاربة ومناهج متصارعة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولو اطلعت عليها -يا أخي- لوليت منها فراراً ولملئت منها رعباً، ولكن دعاتها لا يزالون يلقون عليها من زخرف القول غروراً حتى أحلوا المريدين مستنقعاً وبوراً، واتخذوا من أجلها هذا القرآن مهجوراً.

وقد قال قائلهم: حدثني قلبي عن ربي.

وقال آخر: لكم علم الورق ونحن لنا علم الخرق.

وقال ثالث بإسقاط التكاليف.

وقال الجنيد: من قال هذا فهو أشد كفراً من اليهود والنصارى، أي: الذين قالوا: إنهم وصلوا إلى الله عز وجل بإسقاط التكاليف، نعم وصلوا ولكن إلى سقر.

وما بال الشيخ سعيد حواء -رحمه الله وغفر له- يقول: لقد جربت كثيراً ورأيت كثيراً، ونادراً ما وجدت كمالاً في النفس أو إحساناً في السلوك أو قدرة على التعامل إلا وجدت معها تربية صوفية صافية، وذلك لأن مفاتيح النفس البشرية إنما هي في هذه التربية وأصولها وقواعدها؛ لأن الصوفية هم الذين ورثوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم تربية النفس، وتخصصوا في ذلك، وتفرغوا له، وفطنوا لما لا يفطن له غيرهم، وقامت لهم ثروة من التجارب السارة في كل عصر، فما لم يأخذ الإنسان عنهم تبقى نفسه بعيدة عن الحال النبوية؛ لأن الصوفية هم الذين ملكوا العلم الذي تتهذب به النفس البشرية.

هذا قول الشيخ سعيد حواء غفر الله له، ولا يقبل منه هذا الكلام في أي حال من الأحوال.

بل يقول الغزالي رحمه الله: إن الصوفية في رقصاتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق.

وقوله هذا مخالف لحال السلف وعلمهم! قال إسحاق بن راهويه: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات قال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون، والكلام في الوساوس والخطرات مثل رجل يمر على جب القاذورات، فإن أراد أن ينفشه لا ينتهي هذا الجب، ففي كل لحظة وفي كل مرحلة يتأذى بأنتان جديدة لا تخطر له على بال، ولكن إذا مر عليه مرور الكرام وعرض له منه عارض غسله فهذا أولى.

وهذه طريقة الكمل كما يقول شيخ الإسلام ابن القيم.

فإن كان الرجل في طب الأبدان لا يذهب إلا إلى الطبيب المتخصص -ولو داوى جسده بمجرد التجارب التي لا تسمن ولا تغني من جوع فإن الناس ينكرون عليه- فما بالك بمرض القلوب؟ والقلب كالملك، والجوارح كالجنود، فهذا الأمر موكول إلى الرسل لا إلى غيرهم.