للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إلى كونه فاعلاً.

فهذا المعنى حَقٌّ في نَفْسِهِ لا يُعْقَلُ كون الفاعل إلاَّ به، فَنَفْيُهُ عن الفاعل نَفْيٌ لحقيقة الفعل، وَتَعْطِيْلٌ له، وقد يُرَادُ بالحركة والانتقال ما هو أعمُّ من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلَّق بالمكان الَّذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه.

وقد دلَّ القرآن والسُّنَّة والإجماع على أنَّه - سبحانه - يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظُلَلٍ من الغمام والملائكة، وينزل كلَّ ليلة إلى سماء الدُّنيا، وينزل عشيَّة عَرَفَةَ، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة.

وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له، وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور؛ فكلُّ حيٍّ متحرك بالإرادة وله شعور، فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة (١).

قال ابن عثيمين: وعندي أنَّ هذه الطَّريقة أسلم طريقة؛ أن لا نسأل عن شيء لم يَسأل عنه الصَّحابة وأن نلقِّم من سأل عنه حجرًا، فإذا قال قائل: أنا أريد المعقول، قلنا: اجعل عقلك في نفسك، وفكر في نفسك، أما في مثل هذا الأمر فلا تفكِّر فيه ما دام لم يأتك خبر عنه.

وللأسف فإنَّ بعض النَّاس يجادل ويقول: دعوني أتصوَّر النُّزول حقيقة؛ حتَّى أتبيَّن هل خلا منه العرش أم لا؟ فنقول: سبحان الله! ألا يسعك ما وسع الصَّحابة ؟ اسكت واترك هذا الكلام الذي لم يَقُلْهُ الصحابة للرَّسول وهم أشدُّ النَّاس حرصاً على العلم بالله (٢).

مناقشة:

إن هذه المسألة لم يتكلم فيها أحد في عهد الصحابة ، إنما أثيرت بعد زمن الصحابة عندما أحدث الجهمية بدعهم، فأجاب العلماء عن هذه الشبهة وغيرها من الشبهات، ولو أثيرت هذه البدعة في عهد الصحابة لما سكتوا عنها ، والأئمة تكلموا في مسائل من أجل


(١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٣).
(٢) الدرة المضيَّة في عقد أهل الفرقة المرضيَّة، لابن عثيمين (ص ٢٧٥).