للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذان الأمران السابقان (تفاقم الخلافات العقائدية، وغناء الصوفية في المساجد) وإن كانا ذَوَيْ جانب ديني، فإن لهما جانبا اجتماعيا؛ لأنهما يؤديانِ إلى فتن واضطرابات في المجتمع.

وظهرت في تلك الفترة بعض الأمراض والمفاسد الاجتماعية التي سرت بين الناس، ومن ذلك انتشار المحلل، ويصور لنا ابن القيم مدى المأساة التي حلت على الأواسط الاجتماعية في دمشق، وانتشار عملية التحليل المحرمة للمطلقات بصورة فجة، فيقول: " لو شاهدت الحرائر المصونات، على حوانيت المحللين متبذلات، تنظر المرأة إلى التيس نظرة الشاة إلى شفرة الجازر، وتقول: يا ليتني قبل هذا كنت من أهل المقابر، حتى إذا تشارطا على ما يجلب اللعنة والمقت، نهض واستتبعها خلفه للوقت، بلا زفاف ولا إعلان، بل بالتخفي والكتمان، فلا جهاز ينقل، ولا فراش إلى بيت الزوج يحول، ولا صواحب يهدينها إليه، ولا مصلحات يجلينها عليه، ولا مهر مقبوض ولا مؤخر ولا نفقة ولا كسوة تقدر، ولا وليمة ولا نثار، ولا دف إعلان ولا شعار، والزوج يبذل المهر وهذا التيس يطأ بالأجر" (١).

[الحياة الدينية في زمن ابن المحب]

لقد عاش ابن المحب في عصر ساءت فيه الحالة الدينية في البلاد، وانشغل الناس بدنياهم، فعم المنكرات، وارتكبت المحرمات، وكان هذا نتيجة طبيعية لفساد الحكام، وانتشار اللهو واللعب، والانكباب على ملذات الحياة، وحب الترف والنعيم.

وقد ذكرتُ في "الحياة الاجتماعية": (تفاقم الخلافات العقائدية، وغناء الصوفية في المساجد)، فراجعهما.

قال ابن كثير في معرض حديثه عن البيعة للملك الأشرف علاء الدين كجك ابن السلطان الملك الناصر، وذلك بعد عزل أخيه المنصور: " لما صدر عنه من الأفعال التي ذكر أنه تعاطاها


(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية (١/ ٢٦٨)