للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[المطلب الأول: شبه القدرية النقلية في باب القدر، والرد عليهم.]

استدلوا بأدلة عديدة من النقل من أشهرها ما يلي:

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣].

قالوا: "نفى اللَّه التفاوت عن خلقه، فلا يخلو: إما أن يكون المراد بالتفاوت من جهة الخِلقة أو من جهة الحكمة، لا يجوز أن يكون المراد به التفاوت من جهة الخِلقة؛ لأن في خلقة المخلوقات من التفاوت ما لا يخفى، فليس إلا أن المراد به التفاوت من جهة الحِكمة على ما قلناه، إذا ثبت هذا لم يصح في أفعال العباد أن تكون من جهة اللَّه تعالى لاشتمالها على التفاوت وغيره" (١).

الرد عليهم: أن الآية الكريمة لا دليل فيها على مذهبهم، بل هي رد عليهم، وذلك لما يلي:

١ - ليس المراد بالتفاوت ما زعموه من الحكمةِ. بل هو تفاوت الخِلقة.

قال ابن جرير: "ما ترى في خلق الرحمن الذي خلق لا في سماء ولا في أرض، ولا في غير ذلك من تفاوت، يعني من اختلاف" (٢).

وقال البغوي: "ومعناه: ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض بل هي مستقيمة مستوية. وأصله من "الفوت" وهو أن يفوت بعضها بعضا لقلة استوائها ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ كرر النظر، معناه: انظر ثم ارجع ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ شقوق وصدوع" (٣).

٢ - أنه تعالى إنما عنى ما ترى في السماوات من فطور؛ لأنه ذكر خلق السماوات، ولم يذكر الكفر، وإذا كان هذا على ما قلناه بطل ما قالوه (٤).

٣ - يقال لهم إن اللَّه تعالى أخبر أنه لا يُرى في خلق السموات من تفاوت لأنه قال: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ يعني: بعضها فوق بعض ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ يعني السموات والأرض ثم قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ يعني في السماء ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ يعني من صدوع وشقوق يريد الإخبار عن إتقان فعلها وعجيب صنعها، والكفر لا فطور فيه ولا شقوق، ولولا الجهل ما تعلقوا بمثل هذا التأويل (٥).


(١) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص ٣٥٥).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ١١٩).
(٣) انظر: تفسير البغوي (٨/ ١٧٦).
(٤) انظر: الإبانة للأشعري (ص ١٨٨).
(٥) انظر: تمهيد الأوائل للباقلاني (ص ٣٥٣).