للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

واحد، وتصدر بحلب لإقراء العربية وصرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السبق، وأربى على المتقدمين، وكان إماما في القراءات وعللها؛ صنف فيها قصيدة دالية مرموزة في مقدار "الشاطبية"، وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها والإطلاع على وحشيها، وأما النحو والتصريف فكان فيه بحرًا لا يجاري وحَبرًا لا يبارى، وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون فيه ويتعجبون من أين يأتي بها، وكان نظم الشعر سهلا عليه، رجزه وطويله وبسيطة وغير ذلك، هذا مع ما هو عليه من الدين المتين وصدق اللهجة وكثرة النوافل، وحسن السمت، ورقة القلب وكمال العقل والوقار والتؤدة، أقام بدمشق مدة يصنف ويشغل. وتصدر بالتربة العادلية وبالجامع المعمور وتخرج به جماعة كثيرة.

وصنف كتاب "تسهيل الفوائد في النحو" وكتاب "سبك المنظوم وفك المختوم"، وكتاب "الشافية الكافية"، وكتاب "الخلاصة" وشرحها، وكتاب "إكمال الإعلام بتثليث الكلام"، و"المقصور والممدود"، و"فعل وأفعل"، و"النظم الأوجز فيما يهمز"، و"الاعتقاد في الطاء والضاد" وتصانيف أخر مشهورة، توفي في ثاني عشر شعبان، وقد نيف على السبعين (١).

[٦ - الإمام الفقيه المؤرخ أبو بكر أحمد بن خلكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ]

أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان، قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الإربلي الشافعي، ولد بإربل سنة ثمان وستمائة، وسمع بها "صحيح البخاري" وكان إمامًا فاضلًا بارعًا متفننًا عارف بالمذهب، حسن الفتاوى جيد القريحة بصيرًا بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة، وافر الحرمة، من سروات الناس، قدم دمشق في شبيبته، وقد تفقه بالموصل، ودخل الديار المصرية، وسكنها مدة وتأهل بها، ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفردًا بالأمر، ثم أقيم معه القضاة الثلاثة في سنة أربع وستين، وقدم من الديار المصرية، فدخل دخولًا لم يبلغنا أن قاضي دخل مثله من الاحتفال والزحمة وأصحاب البغلات والشهود، وكان يومًا مشهودًا. وجلس في منصب حكمه وتكلمت الشعراء، وكان كريمًا جوادًا مدحًا، وقد جمع كتابًا نفيسًا في "وفيات الأعيان" وتوفي عشية نهار السبت ٢٦ من رجب، وشيعة خلائق (٢).


(١) انظر: المصدر السابق للذهبي (١٥/ ٢٤٩ - ٢٥١).
(٢) انظر: نفس المصدر للذهبي (١٥/ ٤٤٥).