للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[المبحث الثاني: الحالة العلمية.]

كانت حادثة بغداد في منتصف القرة السابع سببًا من أسباب هجرة العلماء إلى الشام فانتشر العلم وحظي العلماء باحترام وتقدير وتشجيع من المماليك، ولعل منشأ هذا الاحترام هو أن المماليك خافوا على زوال ملكهم كونهم عبيد وأغراب عن البلد فأرادوا تقوية حكمهم من خلال استنادهم على العلماء.

قال محمد رشاد خليفة بعد ذكره لحادثة سقوط بغداد:

(ولم يكن للناس يومذاك من هم سوى الفرار من وجه هؤلاء الطغاة طلبًا للنجاة، واللجوء إلى بلاد يحسون فيها بالدعة والسلام، والهدوء والأمان، وكانت مصر لذلك ملجأ لكثير من الناس، فإن أرضها لم تدنس بأقدام التتار، وإن ملكها المظفر قطز هو الذي كان على يده الخلاص من شرورهم، وإن شعبها الكريم المضياف قد فتح قلبه وبلده لاستقبال من حلت النكبة أحسن استقبال، وإن أمراءها، وكبارها كانوا يحبون العلم ويقدرون العلماء، يقيمون لهم المدارس، ويجرون عليهم الأرزاق، ويشاركونهم في مدارسة العلم، حتى كان من هؤلاء الأمراء من يحفظ الحديث ويرويه ويصل إلى درجة الإمامة فيه، فيصبح شيخًا للحافظ ابن حجر شيخ الإسلام.

كان من الطبيعي - إذن - أن تكون هجرة العلماء إلى مصر، وأن يتحول النشاط العلمي إليها، وقدكان فيها علماء، ومحدثون وفقهاء، وقضاة ومفتون، وكانت هناك مدارس قد غصت بالشيوخ والتلاميذ من طلاب العلم في القاهرة وقوص والإسكندرية وغيرها من بلاد مصر … وكان من الطبيعي أيضًا - وقد فقد المسلمون مكتبتهم الإسلامية في محنة التتار ببغداد - أن يركز العلماء في مصر على جمع العلوم الإسلامية من جديد، فنشطت حركة التأليف والتدوين، كتب العلماء في كل فن، وأخذت علوم الحديث من ذلك بحظ وفير.

كانت علوم السنة من أهم ما يعنى به الأمراء والكبار ورجال الدولة، وكان علماء الحديث يبذلون أقصى الوسع في الجمع والتصنيف، والتدوين والتأليف) (١)

وأعظم دليل على النشاط العلمي في ذلك الوقت هو كثرة عدد المدارس التي أنشأها


(١) انظر: (مدرسة الحديث في مصر ص: ٤٣)