للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

٢ - أن الثواب والعقاب والمدح والذم إنما هو مرتب على عمل العبد الاختياري دون الاضطراري، ولولا ذلك العمل الاختياري الذي يفعله العبد بمشيئته واختياره وقدرته لما أُرسلت الرسل وأنزلت الكتب وشُرعت الشرائع وجاءت الأوامر والنواهي، ووجبت الموالاة والمعاداة (١).

[الرد عليهم في مسألة الكسب]

أولًا: أنهم حاولوا التوسط بين الجبرية والمعتزلة، فحينما قالوا بالكسب ظنوا أنهم فروا من قول الجبرية، وزعموا أنهم بذلك يثبتون للعبد قدرة واختيارة، وحينما قالوا بعدم تأثير قدرة العبد الحادثة في الفعل ظنوا أنهم فروا من قول المعتزلة، وأنهم بذلك أثبتوا وحدانية اللَّه تعالى في أفعاله، فلا مؤثر إلا اللَّه وحده، ولا يوجد تأثير للأسباب في مسبباتها، وقولهم ذلك لا حقيقة له معقولة، بل يرجع إلى مذهب الجبرية (٢).

ثانيًا: أن تفسيرهم الكسب بالاقتران مخالف للغة العرب واستعمال القرآن الكريم، فالكسب أصله في اللغة الجمع وهو طلب الرزق، يقال: كسبت شيئًا واكتسبته بمعنى وكسبت أهلي خيرا وكسبت الرجل مالًا فكسبه، وهذا مما جاء على فعلته ففعل، والكواسب الجوارح، وتكسب تكلف الكسب، والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه:

أحدها: عقد القلب وعزمه كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] أي بما عزمتم عليه وقصدتموه، وقال الزجاج: "أي يؤاخذكم بعزمكم" على أن لا تبروا وأن لا تتقوا وأن تعتلوا في ذلك بأنكم حلفتم وكأنه التفت إلى لفظ المؤاخذة وأنها تقتضي تعذيبا فجعل كسب قلوبهم عزمهم على ترك البر والتقوى لمكان اليمين والقول الأول أصح وهو قول جمهور أهل التفسير فإنه قابل به لغو اليمين وهو أن لا يقصد اليمين فكسب القلب المقابل للغو اليمين هو عقده وعزمه كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] فتعقيد الإيمان هو كسب القلب.

الثاني: كسب المال من التجارة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فالأول للتُّجار والثاني للزُّراع.

الثالث: السعي والعمل كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢]: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] فهذا كله


(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٧/ ١٤٤) وشفاء العليل لابن القيم (ص ٣٥).
(٢) انظر: المواقف في علم الكلام (ص: ٤٢٨).