للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فهو المُزَوِّج وهم المتزوجون، وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فالإزاغة فعله والزيغ فعلهم (١).

الشبهة الثانية: أنه لا يجوز أن تكون أفعالنا خلقًا للَّه تعالى؛ لأنه لو كان الخالق لها لم يصح أمره بها ونهيه عن بعضها، وإثابته على الحسن والجميل منها، وذمه وعقابه على القبيح من جملتها (٢).

ولا تخلو أفعال العباد من ثلاثة أوجه: إما كلها من اللَّه ولا فعل لهم فلم يستحقوا ثوابًا ولا عقابًا ولا مدحًا ولا ذمًا، أو تكون منهم ومن اللَّه، فيجب المدح والذم لهم جميعًا، أو منهم فقط فكان لهم الثواب والعقاب والمدح والذم (٣).

قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "لو كان تعالى هو الخالق لفعلهم لوجب أن لا يستحقوا الذم على قبيحه، والمدح على حَسَنه؛ لأن استحقاق الذم والمدح على فعل الغير لا يصح" (٤).

الرد عليهم:

١ - يقال لهم: لِمَ أنكرتم أن لا يكون اللَّه تعالى آمرًا لأحدٍ من خلقه بخلق شيء من الأفعال، ولا ناهيًا له عن ذلك، ولا مُثيبًا لأحد على أن خلق شيئًا، ولا معاقبًا له على ذلك؛ لأن الخلق مستحيل على العبد، وأن يكون إنما أمر بكتساب ما خلقه، ونهى عن ذلك، وأثاب وعاقب وذمَّ ومدح ووعد وتوعد، على أن اكتسب العبد ما نهى عنه وأمر به فقط؟ بل ما أنكرتم أن يكون إنما جعل هذه الأفعال علمًا على إثابة من أحب إثابتَه، وعِقاب من أحب عقابه فقط؟ (٥).

فما دام أن الثواب والعقاب يكون بحكم اللَّه تعالى، فلا منافاة بين خلق اللَّه تعالى لأفعال العباد وبين إثابتهم أو عقابهم عليها؛ فإن الإثابة والعقاب على الأفعال التي فعلوها لا على الخلق.

٢ - أننا لا نقول: إن المدح والثواب، ولا الذم والعقاب يحصل بفعل الفاعل منا، حتى يوجب ذلك كونه خلقًا له واختراعًا، بل نقول: إن ذلك يحصل بحكم اللَّه تعالى، ويجب ويستحق بحكمه لا بأن يوجب الواجب فِعلَ


(١) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٣٤) باختصار.
(٢) انظر: تمهيد الأوائل للباقلاني (ص ٣٠٧).
(٣) انظر: المنية والأمل لابن المرتضي (ص ٥٥) تحقيق: عصام الدين محمد علي الناشر: دار المعرفة الجامعية.
(٤) انظر: المغني في أبواب العدل والتوحيد للقاضي عبد الجبار المعتزلي (٨/ ١٩٣).
(٥) انظر: تمهيد الأوائل للباقلاني (ص ٣٠٧).